يكشف الكاتب محمد فواز في تحليل يستند إلى حوار مطوّل مع الصحفي آدم جونسون أن الخطاب الإعلامي الغربي حول حرب غزة لا يعكس حيادًا حقيقيًا، بل يعيد إنتاج سرديات منحازة تخفي المسؤولية وتعيد تشكيل وعي الجمهور بطريقة تخدم طرفًا بعينه. ينطلق التحليل من مقارنة دقيقة بين تغطية الحرب في غزة وتغطية الحرب في أوكرانيا، ليكشف فجوة واضحة في اللغة، والسرد، وتحديد الفاعل.


تعتمد مجلة كارانت أفيرز  على تحليل كمي ونوعي لوسائل الإعلام الكبرى مثل نيويورك تايمز وسي إن إن، بهدف تفكيك ما يُقدَّم باعتباره تغطية موضوعية بينما يخفي تحيزًا بنيويًا عميقًا.

 

اللغة كأداة لإخفاء المسؤولية


يكشف التحليل أن اختيار الكلمات ليس بريئًا، بل يشكّل جوهر التحيّز. يصف الإعلام الغربي قتل الإسرائيليين بكلمات مشحونة عاطفيًا مثل “مجزرة” و“ذبح”، بينما يستخدم لغة باردة ومحايدة عند الحديث عن قتل الفلسطينيين، وغالبًا بصيغة المبني للمجهول التي تُخفي الفاعل.

 

يعكس هذا التباين خللًا عميقًا في طريقة بناء الرواية؛ إذ تمنح اللغة طرفًا إنسانيته الكاملة، بينما تُجرّد الطرف الآخر من صوته وتجربته، فتبدو معاناته وكأنها نتيجة طبيعية أو عرض جانبي للصراع.

 

ازدواجية المعايير في توصيف الضحايا

 

يوضح التحليل أن الإعلام الغربي يقدّم الضحايا الإسرائيليين بوصفهم أفرادًا لهم أسماء وقصص إنسانية مفصلة، بينما يُختزل الضحايا الفلسطينيون في أرقام مجردة أو عبارات عامة.


يعزز هذا النمط فجوة التعاطف، حيث يتفاعل الجمهور مع القصص الفردية أكثر من الأرقام، ما يؤدي إلى ترسيخ انحياز غير مباشر في إدراك من يستحق التعاطف ومن يُنظر إليه كخسارة “متوقعة” ضمن سياق الحرب.

 

كما يشير التحليل إلى أن التغطية الغربية تركز على “حق الدفاع عن النفس” عند الحديث عن إسرائيل، بينما تتجاهل السياق التاريخي والسياسي الأوسع عند تناول الوضع الفلسطيني، ما يؤدي إلى تقديم صورة مبتورة للصراع.

 

سردية القوة وإعادة تشكيل الوعي

 

يرى التحليل أن المشكلة لا تكمن فقط في اختيار الكلمات، بل في الإطار العام الذي تُقدَّم من خلاله الأحداث. يضع الإعلام الغربي إسرائيل في موقع الفاعل الذي يرد على تهديد، بينما يضع الفلسطينيين في موقع الغموض أو التبعية، دون إبراز السياق الكامل الذي يفسر سلوك الأطراف.


تُنتج هذه السردية وعيًا عامًا يميل إلى تبرير القوة وتهميش الضحية، حيث يُعاد تعريف الصراع بشكل يخدم ميزان القوى القائم بدلًا من مساءلته.


في النهاية، يخلص التحليل إلى أن فهم التحيّز الإعلامي لا يتطلب فقط قراءة الأخبار، بل تفكيك اللغة والسرديات التي تقف خلفها. يكشف هذا الفهم كيف تُبنى الصور الذهنية في أذهان الجمهور، وكيف يمكن للإعلام أن يتحول من ناقل للواقع إلى صانع له.

 

https://www.currentaffairs.org/news/how-the-media-sold-a-genocide