تدفع الحكومة برنامج الطروحات الحكومية إلى واجهة المشهد الاقتصادي من جديد عبر خطة لطرح 8 شركات في البورصة خلال شهرين ضمن مستهدف قيد 20 شركة حكومية في سوق المال تنفيذًا لتعهداتها مع صندوق النقد الدولي.

 

تقدم الحكومة هذه الخطوة باعتبارها إصلاحًا اقتصاديًا بينما تكشف التفاصيل مسارًا مختلفًا يقوم على بيع حصص من أصول عامة تحت ضغط الالتزامات الخارجية لا وفق نقاش عام واضح حول الملكية العامة والعمال والإدارة والرقابة.

 

قيد مؤقت يسبق بيع الأصول تحت ضغط صندوق النقد

 

بعد أشهر من التعثر أعلن رئيس وحدة الشركات المملوكة للدولة ومساعد رئيس الوزراء هاشم السيد أن الحكومة تسعى لطرح 8 شركات جديدة في البورصة خلال الشهرين المقبلين ضمن مستهدف قيد 20 شركة حكومية في سوق المال.

 

وبحسب هذا المسار أعلنت البورصة المصرية يوم الخميس قيد 6 شركات مملوكة للدولة بشكل مؤقت تمهيدًا لطرح حصص منها في البورصة بعد أيام من إعلان الهيئة العامة للرقابة المالية قيد 6 شركات أخرى.

 

وبذلك تحاول الحكومة إظهار تقدم سريع في ملف الطروحات بعدما أصبح القيد في البورصة جزءًا من التزامات برنامج الخصخصة المرتبط بتعهداتها مع صندوق النقد الدولي لا مجرد قرار محلي مستقل عن ضغوط التمويل.

 

وفي تقريره الصادر بنهاية مارس قال صندوق النقد الدولي إن مصر لم تشهد أي عمليات تخارج جوهرية خلال آخر 24 شهرًا بينما جرى تأسيس شركات جديدة تابعة للقوات المسلحة.

 

ولهذا تكشف عبارة الصندوق تناقضًا واضحًا في خطاب الحكومة لأن الدولة تعلن الخروج من النشاط الاقتصادي في الوقت الذي تستمر فيه كيانات رسمية في التوسع داخل السوق بعيدًا عن قواعد المنافسة المتساوية.

 

وفي هذا السياق قال الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء الأسبق إن وثيقة ملكية الدولة لا تملك آلية تنفيذية حقيقية بالقدر الذي يحولها إلى برنامج واضح يحدد دور الدولة وحدود القطاع الخاص.

 

وبناء على هذه الرؤية لا تكفي أرقام القيد المؤقت لإثبات جدية التخارج لأن الحكومة لم تقدم جدولًا تفصيليًا يوضح نسب البيع وتوقيت التنفيذ ومعايير اختيار الشركات وطرق حماية المال العام من تقييمات منخفضة.

 

كما أجلت وحدة الشركات المملوكة للدولة الموعد النهائي لقيد الشركات العشرين إلى نهاية يونيو بدلًا من مارس بسبب متطلبات القيد وإعداد تقرير القيمة العادلة.

 

وبسبب هذا التأجيل يظهر برنامج الطروحات كمسار مرتبك تحركه مواعيد الصندوق أكثر مما تحركه خطة داخلية معلنة لأن الحكومة لم تشرح للرأي العام أسباب التأخر ولا نتائج مراجعة القيمة العادلة.

 

بنك القاهرة ومصر لتأمينات الحياة في قلب الخصخصة المؤجلة

 

ثم انتقل الحديث الحكومي إلى أسماء أكبر وأكثر حساسية بعدما رجحت التصريحات الرسمية أن يكون بنك القاهرة ضمن الشركات المقرر طرحها خلال الفترة المقبلة.

 

وجاء ذلك بعد حديث وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد في تصريحات تلفزيونية خلال الأسبوع الجاري عن اتجاه الحكومة إلى طرح البنك في البورصة بدلًا من بيعه لإحدى الشركات العربية.

 

وعلى مدى السنوات الماضية سعت الحكومة إلى طرح بنك القاهرة في البورصة لكنها لم تنفذ العملية رغم قيد أسهم البنك البالغ عددها 10.25 مليار سهم في سوق الأوراق المالية منذ 2017.

 

وهذا التاريخ الطويل من التأجيل يضع الحكومة أمام سؤال مباشر حول سبب استخدام بنك القاهرة مرارًا في خطط الطروحات من دون تنفيذ نهائي يحدد قيمة البنك ونسبة البيع وضمانات عدم التفريط في أصل مصرفي كبير.

 

وبالتوازي يتوقع أن يضم الطرح المقبل نسبة 20% من شركة مصر لتأمينات الحياة وفق تصريحات وزير الاستثمار الذي قال إن الحكومة تستهدف جمع 14 مليار جنيه من العملية باعتبارها أكبر طرح بسوق المال.

 

ولذلك يظهر الطرح المرتقب كاختبار مالي للحكومة قبل أن يكون اختبارًا للبورصة لأن الدولة تبحث عن حصيلة سريعة من شركة تأمين عامة ذات وزن كبير في سوق الادخار والحماية الاجتماعية.

 

وفي هذا الإطار يرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن برنامج الطروحات الحكومية يمثل مقياسًا لمدى جدية الدولة في التخارج من النشاط الاقتصادي وأن البرنامج وحده لا يكفي أمام الالتزامات الخارجية الكبيرة.

 

وبناء على هذا الرأي تصبح المشكلة في أن الحكومة تطرح حصصًا محدودة بينما تبقى الدولة بأجهزتها لاعبًا اقتصاديًا واسعًا ومالكًا ومنظمًا في الوقت نفسه وهو وضع يضعف ثقة المستثمرين ويضر المنافسة.

 

كما أن طرح بنك القاهرة ومصر لتأمينات الحياة لا يعالج جذور الأزمة المالية إذا استخدمت الحكومة حصيلة البيع لسد فجوات قصيرة الأجل بدلًا من خفض الديون أو وقف الإنفاق الذي صنع الأزمة.

 

ولهذا تبدو الخصخصة الحالية أقرب إلى تحصيل موارد عاجلة منها إلى إعادة بناء قطاع عام كفء لأن الحكومة لم تعرض خطة إصلاح إداري للشركات قبل البيع ولم تعلن مصير العمال بعد انتقال الحصص إلى مساهمين جدد.

 

قوائم الشركات تكشف اتساع البيع وغياب النقاش العام

 

بعد ذلك أعلن هاشم السيد انتهاء الوحدة من طرح 12 شركة على دفعتين خلال الشهر الجاري وشملت الدفعة الأولى شركات النصر للتعدين وسيجوارت والنهضة للصناعات والإسكندرية للحراريات والمصرية للسبائك الحديدية والنصر للزجاج والبلور.

 

ثم ضمت الدفعة الثانية شركات نيركو والنصر للإسكان والتعمير وسيناء للمنجنيز والعبد للمقاولات والقومية لإدارة الأصول والاستثمار وصناعة اليايات ومهمات وسائل النقل.

 

وبهذا الاتساع لم تعد الطروحات محصورة في شركة أو قطاع واحد بل امتدت إلى التعدين والزجاج والحراريات والمقاولات والإسكان والأصول والاستثمار والنقل وهو ما يجعلها برنامجًا واسعًا لإعادة توزيع ملكية أصول عامة.

 

ومع ذلك لم تقدم الحكومة للرأي العام بيانًا مفصلًا يشرح الوضع المالي لكل شركة ولا أسباب اختيارها ولا نسب الحصص المقرر طرحها ولا مصير إداراتها ولا ضمانات استمرار نشاطها الإنتاجي بعد الطرح.

 

وفي قراءة مرتبطة بشروط الخصخصة الرشيدة قالت الدكتورة عالية المهدي أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة إن الخصخصة يجب أن تكون أداة لإعادة توجيه موارد الدولة نحو وظائفها الأساسية لا غاية في ذاتها.

 

ومن هذه الزاوية لا يصبح البيع هدفًا كافيًا لأن الحكومة مطالبة بإثبات أن الطرح سيحمي النفع العام ويزيد الإنتاج ويمنع تركيز الملكية ولا يحول الشركات العامة إلى مصدر حصيلة مؤقتة للخزانة.

 

كما أن إدراج أسماء شركات صناعية وتعدينية ومقاولاتية يفرض مساءلة واضحة حول تقييم الأصول والأراضي والآلات والعلامات التجارية لأن التجارب السابقة في الخصخصة المصرية ارتبطت بخلافات واسعة حول السعر والعمالة والملكية.

 

ولذلك يحتاج برنامج الطروحات إلى إفصاح كامل قبل البيع لا بعده لأن المواطن لا يستطيع مراقبة صفقة تخص أصلًا عامًا إذا أخفت الحكومة بيانات التقييم ونسب الحصص والمستثمرين المحتملين وشروط الإدارة الجديدة.

 

وفي الخلاصة تكشف خطة طرح 8 شركات خلال شهرين أن الحكومة تحرك ملف الخصخصة تحت ضغط صندوق النقد بعد تأخير طويل لا تحت رقابة سياسية وشعبية كافية.

 

ولهذا تبقى الأزمة في أن الحكومة تبيع حصصًا من أصول عامة بينما تترك الأسئلة الأساسية بلا إجابة واضحة حول جدوى البيع ومصير العمال وقيمة الشركات ودور الدولة في السوق.

 

وفي النهاية لا تستطيع الحكومة أن تقدم القيد المؤقت باعتباره إصلاحًا مكتملًا لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالشفافية والمحاسبة ووقف توسع الكيانات الرسمية في الاقتصاد قبل بيع شركات يملكها المصريون دون نقاش عام حقيقي.