تتحرك السلطة في مصر نحو جولة جديدة من إحكام السيطرة على المجال العام، لكن هذه المرة عبر بوابة المنصات الرقمية التي بقيت، رغم القيود والحجب والملاحقات، مساحة أوسع نسبيًا من الإعلام التقليدي الخاضع للهيمنة الرسمية. فمشروع القانون الذي تقدم به النائب محمد الحداد لا يكتفي بفرض التزامات إدارية على الشركات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي، بل يمد يد الدولة مباشرة إلى البيانات، وإلى شروط الوجود القانوني للشركات، وإلى أعمار المستخدمين، وإلى تعريف المحتوى المقبول من عدمه.

 

كما يربط استمرار عمل هذه المنصات داخل مصر بقدرتها على الامتثال الكامل لشبكة من الضوابط التي تنتهي، عند عدم الالتزام، إلى الحجب الكامل. وتكشف الصياغة المتداولة للمشروع أن الدولة لا تتعامل مع المنصات بوصفها خدمات رقمية عابرة للحدود، بل باعتبارها ساحة يجب إخضاعها لسلطة محلية مباشرة، في وقت تملك فيه السلطات أصلًا أدوات قانونية واسعة للحجب والعقاب منذ صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 وقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018.

 

ويكشف توقيت طرح المشروع جانبًا آخر أكثر دلالة، لأن السلطة تدفع منذ أشهر باتجاه تشديد الرقابة على الاستخدام الرقمي للأطفال والمراهقين، بينما يتوسع الخطاب الرسمي والبرلماني في الحديث عن الأمن الرقمي، والحسابات الوهمية، والمحتوى غير المنضبط، باعتبارها مداخل جاهزة لتبرير المزيد من القيود. وفي هذا السياق، جاء مشروع القانون الجديد ليفرض على الحكومة إنشاء منصة وطنية بديلة، ويلزم الشركات الأجنبية بفتح مقرات رسمية داخل مصر، ويفرض تخزين بيانات المستخدمين داخل البلاد مع حظر نقلها إلى الخارج، ويمنع من هم دون 16 عامًا من الاشتراك، ويعاقب على ما يسميه المحتوى المخالف للآداب العامة، مع تدرج العقوبات حتى الحجب. كما استند مقدم المشروع إلى وجود أكثر من 50 مليون حساب نشط في السوق المصرية لتبرير تشديد القبضة التشريعية، معلنًا أن المشروع حظي بتأييد 64 نائبًا إلى جانب داعمين آخرين. وهذه الملامح لا توحي بتنظيم محايد للسوق بقدر ما تشير إلى محاولة إحكام السيطرة على آخر النوافذ المفتوحة في المجال العام.

 

منصة وطنية ومكاتب إلزامية.. السلطة تنقل السيطرة من الشاشة إلى البنية التحتية

 

ينص المشروع على إلزام الحكومة بتدشين منصة وطنية للتواصل الاجتماعي تضاهي المنصات العالمية، لتكون بديلًا محليًا جاهزًا إذا قررت الدولة الحجب أو فرض قيود على المنصات الأجنبية. وهذا البند يكشف أن المشروع لا ينحصر في تنظيم السوق، بل يفتح الباب لبناء بيئة رقمية محلية أشد قابلية للرقابة والضبط، لأن المنصة التي تنشئها الدولة أو ترعاها الدولة ستكون خاضعة منذ البداية لشروط السلطة الأمنية والإدارية.

 

ثم يضيف المشروع إلزام الشركات المالكة للمنصات بإنشاء مقرات ومكاتب تمثيل رسمية داخل مصر، بدعوى تسهيل المحاسبة القانونية عند وقوع المخالفات. ويعني ذلك أن الدولة تريد نقل علاقتها مع هذه الشركات من نطاق الطلبات العابرة للحدود إلى نطاق الإلزام المحلي المباشر، بما يسمح بتكثيف الضغط القانوني والإجرائي عليها، خصوصًا إذا ارتبط ذلك بسلطة الحجب والعقوبات التصاعدية المنصوص عليها في المشروع.

 

وفي هذا المسار، قدم المهندس شاكر الجمل، المتخصص في أمن وتكنولوجيا المعلومات، قراءة مؤيدة تعتبر المشروع خطوة لتعزيز الحوكمة الرقمية، وتؤكد أن إلزام الشركات بفتح مقرات داخل الدولة يسهل الرقابة والمتابعة القانونية. لكن هذه الحجة نفسها تكشف جوهر المسألة، لأن ما يوصف رسميًا بالحوكمة يتحول عمليًا إلى توسيع أدوات السيطرة المباشرة على المنصات ومستخدميها داخل مصر.

 

توطين البيانات وحظر النقل للخارج.. سيادة رقمية في الخطاب ومراقبة أوسع في الواقع

 

ينص المشروع كذلك على إلزام مواقع التواصل بتخزين بيانات المستخدمين داخل الدولة، مع حظر نقلها إلى خارج البلاد. ويُقدم هذا البند تحت عنوان السيادة الرقمية وحماية المعلومات، لكنه يضع ملايين المستخدمين أمام وضع تصبح فيه البيانات أكثر قربًا من السلطة التنفيذية وأجهزتها، في غياب سجل مطمئن بشأن الخصوصية والرقابة المستقلة وحرية تداول المعلومات داخل مصر.

 

ويتعاظم القلق من هذا البند لأن الإطار القانوني القائم أصلًا يمنح سلطات واسعة في الحجب والملاحقة. فالمادة 7 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تسمح لجهات التحقيق بالأمر بحجب المواقع، كما يمنح قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 صلاحيات حجب للمواقع المخالفة تحت عناوين فضفاضة مثل تهديد الأمن القومي أو نشر الأخبار الكاذبة أو مخالفة الضوابط العامة. وهذا يعني أن مشروع القانون الجديد لا يبدأ من فراغ، بل يضيف طبقة جديدة فوق منظومة قائمة بالفعل من القيود.

 

ومن هنا تبدو ملاحظة محمد عبد السلام، مدير الوحدة البحثية في مؤسسة حرية الفكر والتعبير، شديدة الصلة بالمشهد الحالي، لأن المؤسسة وثقت منذ صدور قوانين 2018 أن هذه التشريعات تؤثر بشدة على حرية الإعلام والحقوق الرقمية. كما رصدت أن مفاهيم فضفاضة مثل القيم الأسرية والأمن القومي استُخدمت بالفعل لتوسيع التجريم والحجب، وهو ما يجعل أي حديث رسمي عن حماية البيانات بلا ضمانات مستقلة حديثًا يفتح الباب لمزيد من الإحكام لا لمزيد من الحماية.

 

حظر القاصرين والحسابات الوهمية والمحتوى المخالف.. تشريع جديد فوق ترسانة قديمة

 

يشمل المشروع حظر اشتراك من هم دون 16 عامًا، ويفرض حذف الحسابات الوهمية والمحتوى غير القانوني، ويقرر عقوبات على ما يسميه المحتوى المخالف للآداب العامة، مع تدرج يصل إلى الحجب الكامل للمنصات غير الملتزمة. وهذه البنود تأتي بينما كانت الدولة قد تحركت بالفعل خلال الأشهر الماضية نحو تشريعات وإجراءات تخص الأطفال والاستخدام الرقمي، بما يؤكد أن المسار الحالي ليس استثناءً بل حلقة في سياسة أوسع.

 

غير أن أخطر ما في هذه البنود ليس عنوانها المعلن، بل طبيعة المصطلحات التي تستند إليها. فمؤسسة حرية الفكر والتعبير وثقت أن مواد قائمة في قانون جرائم تقنية المعلومات تعاقب على أفعال بصياغات فضفاضة وغير منضبطة، مثل الاعتداء على القيم الأسرية، وأن هذا الغموض فتح الباب لملاحقة مستخدمين وصناع محتوى ومعارضين. وعندما يُضاف مشروع جديد يعيد إنتاج المنطق نفسه تحت عنوان الآداب العامة والمحتوى غير الموثوق، فإن النتيجة المتوقعة تكون مزيدًا من التوسع في العقاب لا مزيدًا من اليقين القانوني.

 

ويعزز هذا الاستنتاج ما وثقه الباحث في الحقوق الرقمية رامي رؤوف في سياق أوسع عن تطور علاقة الدولة المصرية بالفضاء الرقمي، إذ رصدت تقارير حقوقية مرتبطة بعمله أن الحكومة حجبت مئات المواقع، وأن الفضاء الإلكتروني تحول بعد تضييق المجال العام إلى مساحة أخيرة تقريبًا للتعبير الحر. ولذلك يبدو مشروع القانون الجديد امتدادًا مباشرًا لهذا المسار، لا مجرد استجابة تقنية لمشكلات المنصات، بل خطوة أخرى في معركة السيطرة على المجال العام بكل منافذه.

 

وفي المحصلة، يقدم مشروع قانون تنظيم منصات التواصل الاجتماعي في مصر صورة واضحة لدولة لا تكتفي بامتلاك أدوات الحجب والعقاب، بل تسعى الآن إلى إعادة هندسة المجال الرقمي نفسه من جذوره، عبر منصة محلية بديلة، وبيانات محتجزة داخل الحدود، وشركات أجنبية تحت ضغط التمثيل الإلزامي، ومستخدمين أصغر سنًا خارج الخدمة، ومحتوى قابل للتجريم بتعريفات مطاطة. وهذه ليست حماية للمجتمع بقدر ما هي إعادة توزيع للقوة داخل الفضاء الرقمي لصالح السلطة، في بلد يملك أصلًا سجلًا طويلًا من الحجب والملاحقة والتضييق. ولذلك فإن أخطر ما في المشروع ليس بندًا واحدًا، بل الفلسفة التي تحكمه: نقل ما بقي من حرية على الشبكات إلى مساحة مراقبة ومؤممة ومهددة دائمًا بالإغلاق.