أعادت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التابعة لوزارة الإسكان، فتح ملف العلاقة بين الدولة وشركات التطوير العقاري من زاوية مالية خشنة، بعد إقرار حزمة رسوم جديدة على مشروعات الشراكة داخل المدن الجديدة، تبدأ من 1000 جنيه للمتر على المشروعات التي ينفذها مطورون مصريون، وتصل إلى 20 دولارًا للمتر على المشروعات المملوكة غالبيتها لأجانب.

 

القرار لم يأت في فراغ إداري أو مالي، بل صدر في لحظة يتوسع فيها الاعتماد الرسمي على تحصيل الرسوم من كل مسار استثماري قائم، بينما تواصل الحكومة تسويق خطاب موازٍ عن دعم السوق العقارية وتخفيف الأعباء على المستثمرين. هذا التناقض لا يبدو تفصيلًا جانبيًا، لأن السوق تلقى خلال الأسابيع الماضية رسائل رسمية عن الحوافز والتيسيرات، قبل أن يتلقى الآن قرارًا جديدًا يضيف تكلفة مباشرة على مشروعات قائمة أو قيد التنفيذ داخل عدد واسع من المدن العمرانية الجديدة.

 

تكشف الضوابط الجديدة أن الدولة لم تعد تكتفي بدور الجهة المنظمة أو الشريك الحاكم للأرض، بل تتحرك أيضًا باعتبارها جهة تحصيل تفرض مقابلاً ماليًا إضافيًا على مساحات التطوير نفسها، مع اشتراطات سداد واضحة وآليات عقابية صريحة.

 

الوثائق المنشورة أوضحت أن الرسوم تشمل مشروعات الشراكة في مناطق شرق وغرب القاهرة وأجزاء من الساحل الشمالي، مع استثناء مدن محددة بينها العاشر من رمضان وأكتوبر الجديدة والعبور والسويس الجديدة وبعض مدن الصعيد.

 

كما نصت الضوابط على وقف التعامل مع الشركات غير الملتزمة، وتعليق خدمات مرتبطة بالمشروعات مثل الكهرباء والمياه وقرارات التقسيم إلى حين تسوية المستحقات. هذا التشدد يضع السوق أمام وقائع مالية وإجرائية جديدة، لا أمام مجرد تعديل إداري محدود.

 

رسوم جديدة على الشراكة ورسالة جباية مباشرة إلى السوق

 

ثم حددت الهيئة الحد الأدنى للرسوم عند 1000 جنيه للمتر للمشروعات التي يطورها مستثمرون مصريون، مع إلزامهم بسداد 20% مقدمًا، أو تقسيط الباقي على عام دون فوائد، أو على خمس سنوات بفائدة 10%. وفي المقابل، ألزمت المستثمر الأجنبي بسداد 20 دولارًا للمتر دفعة واحدة، وهو فارق لا يقتصر على قيمة الرسم فقط، بل يمتد إلى طريقة التحصيل نفسها.

 

كما وسعت الضوابط نطاق التطبيق ليشمل معظم الأراضي التي تقام عليها مشروعات عقارية بنظام الشراكة داخل المدن الجديدة، بما في ذلك مناطق شرق القاهرة وغربها وأراضي الساحل الشمالي. وفي الوقت نفسه، استثنت الهيئة عددًا من المدن، بينها العاشر من رمضان وأكتوبر الجديدة والعبور والسويس الجديدة وبعض مدن الصعيد، بما يكشف أن القرار صيغ على أساس انتقائي لا موحد.

 

وبعد ذلك، ربطت الهيئة السداد باستمرار التعامل الإداري والخدمي مع الشركات، فنصت على وقف التعامل مع غير الملتزمين، مع تعليق خدمات الكهرباء والمياه وقرارات التقسيم إلى حين تسوية الأوضاع المالية. هذه الصياغة تعني أن الرسم لم يعد بندًا ماليًا قابلًا للتفاوض فقط، بل صار أداة ضغط إداري تمس دورة المشروع نفسها.

 

وفي هذا السياق، يكتسب توجيه حصيلة هذه الرسوم إلى صندوق تحيا مصر دلالة سياسية ومالية تتجاوز الإطار الفني المعتاد، لأن القرار ينقل الأموال من مشروعات شراكة عقارية محددة إلى صندوق ذي طبيعة أوسع. هذا المسار يرسخ انطباعًا بأن الدولة تستخدم السوق العقارية كمصدر تحصيل إضافي لتمويل التزامات خارج حدود المشروع نفسه.

 

توسع قديم يتجدد وتناقض مع خطاب الحوافز

 

ثم يؤكد تسلسل القرارات أن ما جرى ليس خطوة منفصلة، إذ سبقت هذه الحزمة رسوم مماثلة فرضتها الهيئة خلال يوليو وأغسطس 2025 على مشروعات الشراكة في الساحل الشمالي، مع فرض 20 دولارًا للمتر على المشروعات المملوكة غالبيتها لأجانب، ورسوم محلية وصلت إلى 1000 جنيه للمتر على المشروعات المحلية في بعض الحالات.

 

وبالتوازي مع ذلك، كانت وزارة الإسكان قد استقبلت المطورين في 31 مارس 2026 تحت عنوان دعم استقرار السوق وتعزيز التعاون، قبل أن تعلن في 6 أبريل 2026 حزمة حوافز وتيسيرات تضمنت مد مدد التنفيذ، وخفض بعض الأعباء، ودراسة تخفيض رسوم التنازل وإلغاء رسوم تحسين على بعض الأراضي. هذا التعاقب السريع يفضح تضارب الرسائل الرسمية نفسها.

 

ومن هنا، تبدو السوق أمام سياسة مزدوجة تقول للمطورين في الاجتماعات إن الدولة تبحث عن استقرار القطاع، ثم تقول لهم في القرارات إن باب الرسوم ما زال مفتوحًا على اتساعه. هذا التناقض لا يربك حسابات الشركات فقط، بل يضرب أيضًا معيار اليقين التشريعي والمالي الذي تحتاجه أي بيئة استثمارية مستقرة.

 

وفي هذا الإطار، حذر المهندس فتح الله فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، من أن فرض رسوم بأثر رجعي على مشروعات الساحل الشمالي يقيد بيئة الاستثمار ويقصي الاستثمارات الخارجية بسبب غياب وضوح الرؤية، كما قال إن المطورين سيلجأون إلى رفع الأسعار لتعويض الخسائر الناتجة عن الرسوم الجديدة.

 

خبراء يرصدون عبء الرسوم وأثره على السوق والمشترين

 

كذلك، قال الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، في ديسمبر 2025 إن السوق العقاري يواجه حالة ركود ناتجة عن تحديات متراكمة. وعندما تضاف رسوم جديدة إلى سوق يعاني أصلًا من ضغوط تكلفة وتمويل وسيولة، فإن القرار لا يعالج أزمة قائمة، بل يضيف عبئًا جديدًا فوق عبء قائم.

 

كما قدم الدكتور حسن الصادي، أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة، وصفًا أشد قسوة لحالة السوق في مارس 2026، حين قال إن ما يحدث في السوق المصري لا يمثل استثمارًا عقاريًا حقيقيًا، وحذر من تلاعب يدفع المواطنين إلى الاعتقاد بأنهم يستثمرون بينما تختلف الحقائق الاقتصادية. هذا التوصيف يفسر كيف تنتقل كلفة القرارات سريعًا إلى المشترين.

 

ولهذا، لا يبدو القرار الجديد مجرد رسم إداري عابر داخل ملف المدن الجديدة، بل حلقة إضافية في سياسة أوسع تنقل عجز الدولة عن بناء قواعد مستقرة للاستثمار إلى الشركات ثم إلى المشترين النهائيين. وعندما تتحول الشراكة إلى قناة جباية، وتتحول الخدمات إلى أداة تحصيل، يصبح الحديث الرسمي عن دعم الاستثمار خطابًا فاقدًا للتصديق.