شهدت سوق مواد البناء في مصر خلال النصف الثاني من أبريل موجة جديدة من الارتفاعات الحادة في أسعار الحديد، بعدما رفعت كبرى الشركات المنتجة أسعارها بنسب اقتربت من 8%، ليدور متوسط سعر الطن للمستهلك بين 39 ألفًا و39.5 ألف جنيه، مع اقترابه في بعض المناطق من 40 ألف جنيه.
وجاءت الزيادة بعد أيام قليلة من مستويات كانت تدور حول 36.3 ألفًا إلى 37.6 ألف جنيه في عدد من المصانع مطلع الشهر، بما يكشف انتقال السوق خلال فترة قصيرة من حالة ترقب إلى موجة تسعير أعلى حملت المقاولين والمطورين والمستهلكين كلفة إضافية جديدة.
وتؤكد بيانات الأسعار المعلنة في 16 و17 أبريل أن حديد عز سجل 39.2 ألف جنيه، بينما بلغ حديد بشاي 39.5 ألف جنيه، ووصلت أسعار شركات أخرى كالمراكبي والسويس إلى مستويات مرتفعة متقاربة، في مشهد يعكس ضغطًا مباشرًا على قطاع يعتمد أصلًا على سوق راكدة وقدرة شرائية متآكلة.
تضع هذه الزيادة الحكومة في قلب المسؤولية السياسية والاقتصادية، لأن القفزة لم تأت من فراغ، بل جاءت بعد سلسلة قرارات ورسوم وتكلفة طاقة مضغوطة وسياسة سوق منحت كبار المنتجين مساحة أوسع لفرض أسعار جديدة.
وتقول مصادر سوقية إن الشركات بررت الزيادة بارتفاع تكلفة الإنتاج وتقلبات سعر الصرف وتوترات الإمداد، لكن تصريحات المهندس أحمد الزيني رئيس شعبة مواد البناء أوضحت بصورة مباشرة أن قرار فرض رسوم حماية على واردات خام البليت لمدة 3 سنوات كان سببًا رئيسيًا في رفع أسعار حديد التسليح بنحو 3 آلاف جنيه.
وفي الوقت نفسه، كانت أسعار الغاز للصناعات الثقيلة وفي مقدمتها الحديد والصلب قد ارتفعت إلى 6.75 دولار للمليون وحدة حرارية، وهو ما أضاف ضغطًا آخر على هيكل التكلفة.
هكذا تحولت سياسات الحماية والطاقة إلى فاتورة جديدة يدفعها السوق ثم يدفعها المواطن في النهاية.
قرارات الحماية ترفع الأسعار وتعيد تشكيل السوق لصالح الكبار
جاءت الزيادة الأخيرة بينما كانت السوق تتابع انتهاء العمل بقرار رسوم الإغراق المؤقتة الممتد 200 يوم، قبل أن يتحول الملف إلى رسوم حماية أوسع على خام البليت ومنتجات الصلب المدرفلة، وهو ما فتح الباب أمام موجة تسعير جديدة دفعت المنتجين إلى رفع الأسعار بدلًا من امتصاص التكلفة أو تقليص هوامش الربح.
ثم أكدت البيانات المعلنة أن أسعار مطلع أبريل كانت أقل بوضوح من أسعار منتصفه، إذ تراوحت أسعار الحديد في 5 أبريل بين 35.5 ألفًا و37.2 ألف جنيه تقريبًا في عدد من المصانع، قبل أن ترتفع بعد ذلك بأيام إلى نطاق 39 ألفًا و39.5 ألف جنيه، بما يعني أن السوق تلقت قفزة سعرية سريعة وليست مجرد تحرك محدود.
كما قال أحمد الزيني إن المصانع المتكاملة لا تستورد البليت، بينما يتحمل الحديد الاستثماري العبء الأكبر من الرسوم المفروضة، وهو ما يكشف أن القرار لم يخلق عدالة تنافسية داخل السوق، بل أعاد توزيع الأعباء على نحو يخدم المنتجين الأقوى ويضعف قدرة المصانع الأخرى على المناورة السعرية.
وفي هذا السياق، تبدو حجة حماية الصناعة المحلية منقوصة، لأن النتيجة المعلنة حتى الآن ليست توسيع الإنتاج أو خفض السعر أو كسر الاحتكار، بل اقتراب الطن من 40 ألف جنيه في سوق يعاني أصلًا تباطؤ الطلب.
وبذلك صار القرار الرسمي أداة ضاغطة على السوق بدلًا من أن يكون وسيلة لتخفيف الاضطراب عنها.
كذلك يضاف إلى ذلك ضغط الطاقة، بعدما أشارت تقارير اقتصادية إلى رفع أسعار الغاز للمصانع، ومنها الحديد والصلب، إلى 6.75 دولار للمليون وحدة حرارية، بينما تحدثت الحكومة نفسها في وقت سابق عن مراجعة أسعار الغاز والكهرباء للصناعات كثيفة الاستهلاك.
وهذا يعني أن الحكومة دفعت تكلفة الإنتاج صعودًا، ثم تركت السوق تنقل الزيادة كاملة إلى المستهلك.
العقار يدفع الثمن والسكن يبتعد أكثر عن متناول المواطنين
انعكست قفزة الحديد فورًا على قطاع التشييد والبناء، لأن الحديد يمثل عنصرًا أساسيًا في تكلفة التنفيذ، خصوصًا في المشروعات السكنية والتجارية.
ومع كل زيادة في أسعار مواد البناء، ترتفع تكلفة المقاولات ويرتفع معها سعر المتر، بينما يظل دخل المواطنين ثابتًا أو متراجعًا تحت وطأة موجات الغلاء المتلاحقة.
بعد ذلك، يصبح أثر الزيادة أكثر خطورة حين يقترن بحالة ركود موجودة بالفعل في السوق العقارية.
فقد أشار الخبير العقاري نور عثمان إلى أن السوق شهدت خلال 2026 بوادر تصحيح في الأسعار، وأن مبيعات أكبر 10 مطورين تراجعت بنحو 30% في الربع الثالث من العام، بما يعني أن أي قفزة جديدة في التكلفة قد تضرب المبيعات أكثر.
كما قال المهندس محمد غباشي الأمين العام لجمعية المطورين العقاريين إن اضطراب سوق المقاولات وارتفاع أسعار مواد البناء كانا من أبرز التحديات التي واجهت الشركات خلال 2025.
وتوضح هذه الشهادة أن الأزمة الحالية ليست حادثًا منفصلًا، بل امتداد لمسار طويل من تقلبات التكلفة والتمويل والتنفيذ.
وفي ضوء ذلك، يدفع المطور العقاري التكلفة إلى المشتري النهائي، ويؤجل المقاول بعض الأعمال، وتتباطأ دورة البناء، بينما يتراجع المواطن خطوة إضافية بعيدًا عن القدرة على شراء وحدة سكنية.
وهكذا لا تقف أزمة الحديد عند باب المصنع أو موقع البناء، بل تنتقل سريعًا إلى أزمة سكن ومعيشة وادخار.
لذلك تكتسب تصريحات نور عثمان أهمية خاصة، لأنه ربط بين الإفراط في التسعير وبين تراجع السوق، وأشار إلى أن بعض المشروعات الجديدة بدأت تُطرح بأسعار تقل عن مشروعات سابقة.
لكن قفزة الحديد الجديدة تهدد بإجهاض أي تصحيح نسبي، وتدفع السوق مرة أخرى نحو زيادات لا يسندها طلب حقيقي من المواطنين.
الغلاء يتمدد من الحديد إلى المصانع والبيوت ثم إلى جيب المواطن
لا يتوقف أثر ارتفاع الحديد عند العقار فقط، لأن المعدن يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في صناعات الأجهزة المنزلية والسيارات وقطع الغيار والأثاث المعدني والمواسير والهياكل المعدنية ومعدات الزراعة والنقل.
وبذلك تنتقل الزيادة من مادة خام إلى شبكة واسعة من السلع التي يستهلكها المواطن يوميًا أو يدفع ثمن ارتفاعها لاحقًا.
ثم تتضاعف المشكلة مع اضطراب أسواق الطاقة إقليميًا.
فقد توقع الخبير الاقتصادي وائل النحاس في مطلع أبريل أن تشهد أسعار النفط موجة صعود قوية بفعل التوترات الجيوسياسية واضطراب الإمدادات.
ومع اعتماد الصناعة والنقل والإنتاج المحلي على الطاقة، يصبح أي صعود في هذا المسار سببًا إضافيًا لموجة أسعار أوسع.
كما أن السوق لم تتلق فقط صدمة أسعار، بل تلقت أيضًا رسالة واضحة بأن الحكومة مستعدة لتمرير كلفة قراراتها إلى المجتمع.
فبدلًا من ضبط السوق ومنع التركز السعري، جرى توسيع الحماية ورفع تكاليف الطاقة وترك الشركات تعيد التسعير في توقيت يعرف الجميع أنه يضغط على البناء والصناعة والطلب الاستهلاكي معًا.
وفي المقابل، قال أحمد الزيني إن الشركات كان يمكنها امتصاص جزء من الزيادة بدلًا من تحميلها بالكامل للمستهلك.
وتكشف هذه الشهادة من داخل القطاع أن المشكلة لا تتعلق فقط بتكلفة موضوعية، بل أيضًا بطريقة تمريرها وبالقدرة التي باتت تمتلكها الشركات الكبرى على فرض السعر النهائي في سوق تقل فيها المنافسة الفعلية.
كذلك تظهر الوقائع أن الحديث الحكومي عن حماية الصناعة فقد معناه حين انتهى إلى حماية الأسعار المرتفعة لا حماية المستهلك ولا حماية التوازن داخل السوق.
فالنتيجة الموثقة الآن هي زيادة بنحو 3 آلاف جنيه في الطن خلال أيام، وامتداد مباشر للأثر إلى السكن والتصنيع والسلع المعمرة والخدمات المرتبطة بالبناء والنقل.
وأخيرًا، لا تبدو الأزمة مجرد زيادة عابرة في سلعة أساسية، بل تبدو حلقة جديدة في سلسلة قرارات حكومية تنقل أعباءها إلى المجتمع ثم تترك السوق يعيد توزيعها على الجميع.
وهكذا يجد المواطن نفسه أمام موجة غلاء جديدة تبدأ من الحديد ولا تنتهي عنده، بينما تواصل الحكومة إدارة السوق بالرسوم والطاقة المرتفعة والقرارات التي تمنح الكبار قوة أكبر وتترك الناس وحدهم أمام الفاتورة.

