د. عصام تليمة

من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن

 

أثار حادث انتحار السيدة بسنت سليمان حالة هائلة من التفاعل على جل وسائل التواصل الاجتماعي، ولعل أكثر ما أثار الناس في حادثها، أنها حالة انتحار في بث مباشر، وقد شرحت سبب انتحارها، وهي مشاكل اجتماعية مع طليقها، ومع حضانة أولادها، وأنه حصل على حكم بإخراجها من الشقة.

 

وراحت المنصات والأذرع الإعلامية التابعة للسيسي، توظف الحدث، بعيدا عن جوانبه الإنسانية الحقيقية، أو الدوافع الحقيقية التي تدفع الناس في مصر للانتحار، اختزلت الحالات كلها في حالة بسنت سليمان، ليس تهوينا من شأن حالتها، لكن الاختزال تم توظيفه لاتجاهات سياسية ودينية، تهون من شأن الأسباب الحقيقية، وتجر الناس لأسباب أخرى، لا تحل المشكلة من جذورها.

 

ففجأة خرجت اقتراحات في البرلمان، لأعضاء برلمان أتوا جلهم بالاختيار المباشر من أجهزة الأمن، ولا يوجد فضل للناخب المصري في ذلك، وكأن مشكلة الأسرة المصرية في القوانين، وليست في تطبيقها، فالمؤسسة الدينية والعقول الفقهية في مصر، على مدار تاريخها لم تتوقف عن التجديد الفقهي في قضايا الأحوال الشخصية، وأحيانا تستجيب السلطة فتأخذ بها، وفي أحيان تضع ما لا يروق للمشايخ، ويحقق غرضا للسلطة، ولو أدى لكوارث في الأسرة، كما في قوانين كثيرة نتج عنها تفسخ لكثير من الأسر.

 

وما يؤخذ في موضوع الانتحار هنا، أنه راح يتحيز للمتوفاة، من واقع جنسها، لا من واقع مشكلتها، فمشكلة بسنت سليمان، ليست لأنها أنثى انتحرت، بل لأن هناك مشكلة اجتماعية وأسرية، تحتاج لحل، فيمكن للقضاء أن يحكم لها بحق على الزوج، لكن الشرطة لا تنفذ، وهو ما يحدث في حالات كثيرة، يستطيع أي مدان رجلا كان أو امرأة، ليمنع تنفيذ الحكم عليه، أن يدفع مبلغا ماليا لأمين الشرطة، أو الشرطي الذي يأتي للتنفيذ، ويعلق على تنفيذ الحكم بأنه لم يستدل على الشخص، أو لم يعثر له على عنوان، وهنا يتحول الحكم القضائي لحبر على ورق، يقول عنه المصريون: بله واشرب ميته، يعني: لا قيمة له، هو والعدم سواء.

 

ولأن الحديث عن هذا الجانب سيضرب في وزارة الداخلية، فلن يتحدث عنه أحد، فتوضع التبعة على الطرف الآخر، وهو الرجل، فتقترح سيدات ورجال، بأن تحصل المرأة على نفقة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه، وإذا طلقها، تستحوذ على ثلث ثروته، وهو مقترح قد يتشجع له البرلمان المصري، بينما الحد الأدنى للرواتب في مصر، لا يصل لنصف المبلغ المطروح، فإذا كان الاقتراح قد جعل العشرة آلاف جنيه ثلث ثروة الزوج أو دخله، فهذا معناه أن دخله كحد أدنى يصل ثلاثين ألفا، لم ينتبه المقترحون أنه اقتراح يدين السلطة، ويضعها في حرج شديد، ظنا منهم أن الاقتراح يذهب بالمسؤولية بعيدا عنها.

 

ودخلت بعض الأذرع الدينية، لا لتقول: إن السلطة عليها واجبا هنا، وهو رعاية الناس، وأن سيدة كانت تقوم ببث مباشر ساعة، فلماذا لم ينتبه إليها رجال الأمن، بينما لو أبلغ شخص أن ثلاثة أشخاص تجمعوا في ميدان في أحد نجوع أو قرى مصر النائية، لعمل مظاهرة، لوجدت الأمن المصري يصل إليهم في دقائق معدودة، ملقيا القبض عليهم، مغيبا لهم لشهور، وربما لسنوات، دون تقديمهم لمحاكمة أو حبسهم بتهمة قضى فيها القضاء.

 

خرج سعد الدين الهلالي، يبين أن هناك صحابة انتحروا، وكأن الانتحار شيئا لا يشغل بال المجتمع للبحث عن علاجه مشكلة وإنهاء أسبابه، وقد قال ذلك في سياق رفع التبعة عن المجتمع والسلطة، بينما الخطاب الديني يلقي بالمسؤولية على الحاكم فيما يتعلق بالحيوان، فضلا عن الإنسان، واشتهر قولة عمر بن الخطاب: لو عثرت بغلة في العراق، لسألني الله عنها: لم لم تمهد لها الطريق يا عمر؟!

 

بل خرج وزير أوقاف سابق، راح يعزف عزفا منفردا، فترك الحديث عن الانتحار وأسبابه الدينية والسياسية، ليعلن أن الإخوان المسلمين وراء أسباب انتشار الانتحار!! والذي جعل هذه الأصوات الدينية تخرج بهذا الخطاب، لأنها تعلم أن هذه السلطة، هي دائمة الترحيب بأي مصيبة تتهم بها الإخوان، من ضياع الأندلس، إلى نشر أسباب الانتحار بين الشعب المصري.

 

لم يتحدث هؤلاء عن حالات أخرى في نفس الأسبوع انتحروا، منهم: رجل على باب مستشفى، وآخر على كوبري، وقبلها حالات أخرى، كلها حالات لها علاقة بالوضع الاقتصادي، وهو ما يهرب من الحديث عنه أذرع السيسي الدينية والسياسية، فالناس ليست بحاجة لموقف الدين من المنتحر، لأنه أمر معروف، والسؤال عنه يكون في سياق معين، لكن السياق الأهم: الأسباب التي تؤدي بالناس لإنهاء حياتها، ومن العبث الديني أن يتحول الحديث دينيا عن المنتحر، بينما نعرض عمن دفعه دفعا لذلك.

 

وإذا وجد هؤلاء ذريعة تعفي السلطة من المنتحرين من الشعب، فماذا عمن يحاولون الانتحار في السجون، من سوء المعاملة والتعذيب النفسي؟ وهناك حالات، منها حالة مشهورة، شاب اختطف من الشارع اسمه عمر محمد علي، واستمر حبسه لأن أباه كان قياديا في الإخوان، هو أحد شهداء رابعة، ونشرت أمه أنه كلما زارته طلب منها أن تسمح له بإنهاء حياته، لأن السبب الذي يمنعه، هو رفضها وغضبها منه إن فعلها، ونشرت الرسالة، وتم التفاعل معها بشكل كبير، ولم يحدث أي تفاعل من السلطة، أو أذرعها، رغم أن قنوات الانقلاب استضافت أخته للحديث عن الإخون حديثا سيئا، واتهامهم والطعن في سلوكهم، لم يشفع ذلك لأخيها، ولن يشفع.

 

بينما تم توظيف مؤسسات الدولة في مصر لمساعدة قاتل، حين قام ابن وزيرة بقتل شابين في أمريكا، ولا تزال تسعى الأم بكل ما لديها من طاقة لتخفيف العقوبة، أو تبرئته، ويلقى دعما من الأذرع الإعلامية والسياسية للسلطة، فسعي لإنقاذ قاتل، وسعي لتحويل برآء من حياة طبيعية، لليأس من الحياة، بعد رحلة عذاب في السجون، تنتهي بالتفكير الجاد في الانتحار.

 

الانتحار ظاهرة موجودة في كثير من الدول، ووراء كل حالة سببها الحقيقي، الذي يسعى المعنيون بالحكم فيها على حلها، لأنهم أتوا برغبة المواطن، وانتخابه، فحياته وسلامته مسؤوليتهم التي سيحاسبون عليها، وهو في بلادنا له أسباب معروفة، لكن المنتحر في بلادنا لا قيمة له، ويجري توظيف حادثته لأي اتجاه تركبه السلطة، بسن قوانين مجهزة من قبل، وتأتي مثل هذه الأحداث للتستر خلفها.

 

وليس ذلك عجيبا أو مستغربا، فهي سلطة، اتهمت من قامت بقتلهم في رابعة، بأنهم انتحروا، فقد كانت بعض شهادات الوفاة يكتب فيها: أن الميت قام بالانتحار، أو بضرب نفسه، ومع إصرار بعض الأهالي على الرفض، كتب عن سبب الوفاة: وفاة بطلق ناري في البطن، دون ذكر من أطلق الرصاص عليه، فمثل هذه السلطة، لن تهتم بظاهرة الانتحار، ولا علاج أسبابها، لأنها السبب الرئيس لها، ومن كان سببا في المشكلة، فغالبا لن يكون هو الحل، فضلا عن أن يكون جزءا منه.