أعاد الحكم التونسي الجديد بسجن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي 20 سنة في ما يعرف بـ"قضية المسامرة الرمضانية" فتح ملف استقلال القضاء وحقوق المحاكمة العادلة في تونس، خصوصًا أن القضية تأتي ضمن سلسلة أحكام متراكمة بحق الرجل وقيادات معارضة أخرى منذ اعتقاله في 17 إبريل 2023.
وبحسب تقارير متطابقة، صدر الحكم مساء الثلاثاء 15 إبريل 2026، وشمل أيضًا قياديين آخرين في النهضة، بينما قالت هيئة الدفاع إن الغنوشي قاطع المحاكمة بسبب ما اعتبره الطابع السياسي للقضية.
تتجاوز دلالة هذا الحكم شخص الغنوشي نفسه، لأن القضية ترتبط بمناخ أوسع من الملاحقات التي طالت معارضين وصحفيين ومحامين ونشطاء منذ إجراءات 25 يوليو 2021، حين حل الرئيس قيس سعيّد البرلمان وبدأ الحكم بمراسيم، ثم مضى لاحقًا إلى حل المجلس الأعلى للقضاء وعزل عشرات القضاة، وهو ما اعتبره خصومه والمنظمات الحقوقية مسارًا أضعف الضمانات الأساسية لاستقلال العدالة. وتقول السلطات التونسية إن إجراءاتها قانونية وتهدف إلى تطهير الدولة من الفساد والفوضى، لكن منظمات حقوقية دولية وأممية ترى أن النتيجة العملية كانت توسيع دائرة الاحتجاز التعسفي واستعمال القضاء ضد المعارضين.
قضية "المسامرة الرمضانية" في سياق الملاحقة السياسية
تعود القضية إلى لقاء سياسي عقد في رمضان 2023 بمقر "جبهة الخلاص الوطني"، وجرى لاحقًا التعامل معه قضائيًا ضمن اتهامات "التآمر على أمن الدولة". ووفق ما نقلته وسائل إعلام تونسية ودولية، فإن الحكم الأخير قضى بسجن الغنوشي 20 سنة، كما شمل يوسف النوري وأحمد المشرقي بالعقوبة نفسها، إضافة إلى أحكام أخرى ضد متهمين داخل البلاد وخارجها. كما أكدت هيئة الدفاع أن تصريحات الغنوشي التي استند إليها الاتهام كانت، بحسب قراءتها، دعوة إلى التعايش ونبذ الإقصاء لا تحريضًا على الفوضى.
هذا المسار لا يبدو معزولًا عن القضايا الأخرى المرفوعة ضد الغنوشي، إذ سبقه الحكم عليه في ملفات أخرى، كما وثقت تقارير إخبارية وحقوقية تصاعد الأحكام المشددة على شخصيات معارضة بارزة. وفي فبراير 2026 مثلًا، أفادت رويترز بأن محكمة استئناف تونسية رفعت حكمًا سابقًا على الغنوشي في قضية أخرى من 14 سنة إلى 20 سنة، في إطار ما وصفته المعارضة بأنه حملة أوسع على dissent السياسي.
وفي هذا السياق، قال فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، إن الأحكام الصادرة في قضايا "التآمر" في تونس تمثل "انتكاسة للعدالة وسيادة القانون"، مجددًا دعوته إلى وقف نمط الاضطهاد السياسي والاعتقالات التعسفية وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين والصحفيين والنشطاء والسياسيين. ورغم أن تصريحه صدر في سياق قضية التآمر الجماعية خلال 2025، فإن منطقه الحقوقي ينطبق مباشرة على الحكم الجديد، لأنه يتناول أصل المشكلة نفسها، أي استخدام القضاء في مناخ سياسي يفتقر إلى الضمانات المستقلة.
انتقادات حقوقية: احتجاز تعسفي ومحاكمات تفتقر إلى العدالة
ترى منظمات حقوقية أن الأزمة لا تتعلق فقط بقسوة الأحكام، بل بطبيعة الملفات نفسها. فقد قالت هبة مرايف، المديرة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن السلطات التونسية يجب أن توقف حملتها على الحقوق والحريات، وأن تفرج عن المحتجزين تعسفيًا، وألا تستخدم التحقيقات والملاحقات الجنائية ضد المعارضين السياسيين والنشطاء بسبب ممارستهم حقوقهم في التعبير والتجمع السلمي. كما حذرت لاحقًا من استخدام اتهامات "الإرهاب" و"التآمر" ذريعة لتجريم المعارضة السلمية وتقييد الحق في محاكمة عادلة.
ومن جهته، قال بسام خواجة، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، إن الحكومة التونسية حولت الاحتجاز التعسفي إلى "حجر زاوية" في سياستها القمعية، معتبرًا أن البلاد عادت إلى "عصر السجناء السياسيين". وفي تقرير مفصل عن "قضية التآمر"، قالت المنظمة إن ملف الإحالة القضائية استند إلى أدلة هشة ومحادثات خاصة ووشايات، وإن جلسات المحاكمة شابتها انتهاكات جسيمة لحقوق الدفاع والإجراءات الواجبة. هذا النقد مهم لأنه يربط بين مسار القضايا الكبرى ضد المعارضين وبين تآكل الضمانات الإجرائية التي يفترض أن تحكم أي محاكمة عادلة.
كما قال سعيد بن عربية، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في اللجنة الدولية للحقوقيين، إن الملاحقات السياسية الجارية في تونس "مسيّسة وتعسفية"، ودعا السلطات إلى وقف استعمال القضاء لتصفية الخصوم السياسيين. وفي بيان لاحق عن قضية "التآمر"، وصفت اللجنة الدولية للحقوقيين الأحكام الجماعية والأحكام المشددة بأنها "مهزلة للعدالة"، مؤكدة أن المحاكمة شابتها انتهاكات فادحة لحقوق المحاكمة العادلة. وهذا التوصيف يمنح قراءة قانونية مباشرة لفكرة "الأحكام الجائرة" التي تتكرر في الخطاب الحقوقي المتعلق بتونس.
الغنوشي والسجناء السياسيون: قضية فردية داخل أزمة أوسع
لا يقتصر الجدل الحقوقي على الغنوشي وحده، لأن صورة أوسع تتشكل حول واقع المعارضة في تونس. فقد ذكرت رويترز في مارس 2026 أن كثيرًا من قادة الأحزاب باتوا في السجن أو خارج البلاد، وأن عائلات المعتقلين دخلت ساحة التعبئة العلنية بعد أن أصبح توقيف المعارضين والمنتقدين أمرًا مألوفًا. كما وثقت الوكالة أن حل المجلس الأعلى للقضاء وعزل القضاة في 2022 أثارا اتهامات بتقويض استقلال القضاء، وهو ما ترفضه السلطة.
وتزداد خطورة المشهد عندما تتقاطع الأحكام القضائية مع تقارير أممية عن الاحتجاز التعسفي. ففي مارس 2026 نُشر ما يفيد بأن فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي خلص في رأي رسمي إلى أن احتجاز راشد الغنوشي تعسفي، ودعا إلى الإفراج الفوري عنه. ورغم أن هذا الرأي صدر في سياق احتجازه، لا الحكم الأخير تحديدًا، فإنه يضيف عنصرًا بالغ الأهمية في القراءة الحقوقية، لأنه يعني أن أحد أبرز الأطر الأممية المختصة رأى أصل الحرمان من الحرية مخالفًا للقانون الدولي.
ومن الناحية العملية، فإن تراكم الأحكام بحق الغنوشي، إلى جانب ملاحقات أخرى استهدفت سياسيين وصحفيين ونوابًا ومحامين، يعزز الانطباع بأن تونس انتقلت من أزمة سياسية إلى أزمة حقوقية وقضائية مركبة. فحين يُعاقب الرأي أو التنظيم السياسي أو الخطاب العام بعقوبات طويلة في مناخ يتهمه الحقوقيون والأمم المتحدة بتقييد الدفاع والاعتماد على ملفات واهية، تصبح القضية أبعد من نزاع بين سلطة ومعارضة، وتتحول إلى اختبار مباشر لسيادة القانون نفسها.
لماذا يعد الحكم الجديد محطة خطيرة
تكمن خطورة الحكم الأخير في أنه لا يضيف سنوات جديدة فقط إلى رصيد أحكام الغنوشي، بل يكرس قاعدة سياسية وقضائية مفادها أن المعارض البارز يمكن أن يواجه سلسلة لا تنتهي من القضايا ذات العناوين الثقيلة نفسها. وهذا النمط، كما تقول المنظمات الحقوقية، يخلق أثرًا ترهيبيًا يتجاوز المتهمين أنفسهم ليطال المجال العام كله، من الأحزاب إلى الإعلام إلى المجتمع المدني.
كما أن توقيت الحكم مهم، لأنه يأتي بعد أعوام من التراجع الحقوقي الموثق وبعد سلسلة انتقادات أممية ودولية واضحة، ما يجعل تجاهل هذه التحذيرات مؤشرًا على تعمق الأزمة لا على انحسارها. وبينما تتمسك السلطة بخطاب "حماية الدولة"، يرد الحقوقيون بأن حماية الدولة لا تكون بتجريم المعارضة السلمية أو تقويض استقلال القضاء أو تحويل المحاكمات إلى أداة ردع سياسي. وهذه هي النقطة الجوهرية التي تبرزها مواقف فولكر تورك وهبة مرايف وبسام خواجة وسعيد بن عربية، رغم اختلاف مؤسساتهم وزوايا تناولهم.
في المحصلة، يظهر الحكم على راشد الغنوشي في "قضية المسامرة الرمضانية" بوصفه فصلًا جديدًا في أزمة أعمق تتعلق بالحق في المحاكمة العادلة وحرية العمل السياسي في تونس. واللافت أن الانتقادات لم تعد تصدر فقط عن المعارضة المحلية، بل عن الأمم المتحدة ومنظمات دولية كبرى وخبراء حقوقيين معروفين، وكلهم تقريبًا يلتقون عند نقطة واحدة: أن الأحكام المشددة في مناخ من الاحتجاز التعسفي وتآكل استقلال القضاء لا تصنع عدالة، بل توسع أزمة الشرعية الحقوقية للدولة.

