تشهد العاصمة الباكستانية إسلام آباد تحركات دبلوماسية مكثفة لإعادة جمع الولايات المتحدة وإيران حول طاولة تفاوض جديدة، بعد جولة أولى انتهت بلا اتفاق نهائي لكنها أبقت باب الحوار مفتوحاً. الجديد الأهم أن الموعد لم يُحسم نهائياً ليوم الخميس كما تردد، بل تشير أحدث المعطيات إلى أن الجانبين يُبقيان الفترة من الجمعة إلى الأحد مفتوحة لاحتمال عقد جولة ثانية، في وقت تواصل فيه باكستان اتصالاتها مع الطرفين لتثبيت الموعد ومنع انهيار وقف إطلاق النار الهش.
وتأتي هذه الجهود في لحظة شديدة الحساسية، لأن وقف إطلاق النار المعلن في 8 أبريل 2026 لم يتحول بعد إلى تسوية مستقرة، بل ما زال محاصراً بخلافات ثقيلة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وحدود الضمانات الأمنية المتبادلة. وقد قاد الجولة السابقة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في أول اتصال مباشر رفيع بهذا المستوى منذ عقود، لكن المفاوضات توقفت عند عقد أساسية رغم حديث مصادر عن اقتراب الطرفين من تفاهم جزئي في بعض اللحظات.
إسلام آباد تتحرك بين فرصة الوساطة وخطر الانهيار
نجاح باكستان في جمع الطرفين مرة أولى منحها موقعاً تفاوضياً متقدماً، لكنه لم يمنحها بعد القدرة على انتزاع اتفاق. فإسلام آباد تتحرك اليوم باعتبارها قناة اتصال موثوقة أكثر منها ضامناً نهائياً للتسوية، ولهذا تواصل تمرير الرسائل بين واشنطن وطهران بالتوازي مع دعم إقليمي من تركيا ومصر لإبقاء المسار السياسي حياً. تصريحات رئيس الوزراء شهباز شريف بأن “الجهد الكامل لا يزال جارياً” تعكس أن الوساطة لم تتوقف، لكنها تكشف أيضاً أن المسافة إلى الاتفاق ما زالت كبيرة.
في هذا السياق، ترى الدكتورة سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، أن وقف إطلاق النار يمثل “خطوة ضرورية للابتعاد عن حافة الهاوية”، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن القضايا الأصعب لا تزال أمام مفاوضي إسلام آباد، وعلى رأسها قدرة واشنطن على تقديم ضمانات موثوقة ضد تجدد الضربات، واستعداد طهران للقبول بقيود على تهديد الملاحة في هرمز، إلى جانب صياغة تخفيف للعقوبات يجعل خفض التصعيد قابلاً للاستمرار سياسياً لدى الطرفين. هذا التقدير يفسر لماذا تصر باكستان على جولة ثانية سريعة قبل أن يسبق التصعيد العسكري العمل الدبلوماسي.
وتزداد أهمية هذا المسار لأن فشل الجولة الأولى لم يغلق الباب نهائياً، بل أظهر أن الطرفين لا يزالان يملكان أسباباً قوية لتجنب العودة إلى الحرب الشاملة. فواشنطن تدرك الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي انفجار جديد، فيما تواجه طهران ضغوطاً داخلية وخارجية تجعلها بحاجة إلى متنفس تفاوضي، ولو محدوداً. من هنا تبدو الوساطة الباكستانية محاولة لشراء الوقت السياسي ومنع انهيار الهدنة قبل استنفاد آخر فرص التسوية.
الملف النووي ومضيق هرمز والعقوبات: العقدة الحقيقية في المفاوضات الأمريكية الإيرانية
المعضلة الأساسية ليست في عقد اللقاء بحد ذاته، بل في جدول الأعمال الذي يحمل ثلاث قنابل سياسية دفعة واحدة. الولايات المتحدة تريد اتفاقاً يضمن ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً، مع قيود واسعة على التخصيب وفتح مضيق هرمز بلا رسوم أو تهديد، بينما تتمسك إيران باعتراف بحقها في التخصيب، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمانات بعدم تكرار الهجمات. هذا التباعد هو ما جعل المفاوضات تقترب من التفاهم ثم تتراجع في اللحظات الحاسمة.
ويعكس كلام جي دي فانس بوضوح أن واشنطن تعتبر الكرة الآن في ملعب طهران، وأن أي تقدم في التفاوض مرتبط أيضاً بتحرك إيراني بشأن فتح هرمز. لكن هذه المقاربة نفسها تحمل بذور التعثر، لأنها تربط بين الملف النووي والملاحة والعقوبات في صفقة واحدة شديدة التعقيد، بينما تفضّل إيران عادةً تجزئة الملفات أو مقايضتها تدريجياً. ولهذا يبدو أن الجولة المقبلة، إن عُقدت، ستكون اختباراً لإمكانية الانتقال من “عرض نهائي” أمريكي إلى مساحة تفاوض حقيقية تسمح بتنازلات متبادلة.
هنا يبرز تقدير بلال واي. صعب، الزميل المشارك في تشاتام هاوس، الذي يرى أن إيران تتصرف وفق منطق مفاده أنه إذا سقطت فلن تسقط وحدها، بل ستسعى إلى جرّ آخرين معها عبر توسيع نطاق الفوضى والكلفة الاقتصادية. هذا التحليل يفسر تمسك طهران بورقة هرمز تحديداً، لأنها لا تمنحها فقط قدرة تفاوضية، بل تمنحها أيضاً أداة ردع مؤلمة تمس الاقتصاد العالمي مباشرة. ولذلك فإن أي تسوية لا تعالج هرمز بوصفه ورقة قوة إيرانية لن تكون مستقرة مهما بدا الاتفاق النووي متقدماً على الورق.
تأثير المباحثات على أسواق الطاقة ولماذا يراقب العالم وساطة باكستان
ما يجعل جولة إسلام آباد المقبلة حدثاً دولياً لا إقليمياً فقط هو أن مصيرها يرتبط مباشرة بأسواق الطاقة والتضخم والشحن العالمي. مضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، وأي تعطل طويل فيه ينعكس فوراً على الأسعار وسلاسل الإمداد وحسابات البنوك المركزية. وقد بدأت آثار ذلك بالفعل مع اضطراب حركة الملاحة وتبدل مسارات بعض السفن وتصاعد القلق من نقص الإمدادات.
ويؤكد جوش ليبسكي، رئيس الاقتصاد الدولي في المجلس الأطلسي، أن الواقع الصلب لا يمكن تجاوزه: النفط والغاز إذا لم يعبرا هرمز فسوف تنتقل الصدمة سريعاً إلى الاقتصاد العالمي، ليس فقط عبر أسعار الوقود، بل أيضاً عبر الغذاء والأسمدة والتضخم. أما لاندون ديرنتز، الخبير في أمن الطاقة بالمجلس نفسه، فيرى أن إعادة فتح المضيق هي الخطوة الأكثر حسماً لاستقرار الأسواق، وأن ذلك يتطلب معالجة القدرات الإيرانية التي تهدد الشحن والطاقة الإقليمية. الجمع بين هذين الرأيين يوضح أن الوساطة الباكستانية ليست مجرد مسار سياسي، بل محاولة لمنع أزمة طاقة دولية أوسع.
لهذا يمكن القول إن جولة المباحثات الأمريكية الإيرانية الثانية، إذا انعقدت في إسلام آباد خلال الأيام المقبلة، لن تكون مجرد استكمال إجرائي لما بدأ في عطلة نهاية الأسبوع الماضية، بل ستكون لحظة اختبار حاسمة: إما تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى تفاوض ممتد، أو الانزلاق نحو تصعيد قد يدفع المنطقة والعالم إلى موجة اضطراب جديدة. وحتى الآن، تبدو باكستان قد نجحت في منع الانفجار الكامل، لكنها لم تنجح بعد في انتزاع التسوية التي يحتاجها الجميع.

