دخلت الحرب السودانية مرحلة أكثر قسوة مع اتساع استخدام الطائرات المسيّرة ضد مناطق مأهولة بالسكان، بعدما تحوّلت بلدة كتم في شمال دارفور إلى مسرح لمجزرة جديدة استهدفت حفل زفاف وأوقعت عشرات الضحايا من المدنيين. الأمم المتحدة قالت إن الهجوم الذي وقع في 9 أبريل 2026 قتل ما لا يقل عن 30 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال، في واقعة تعكس حجم الانفلات الذي بات يهدد المدنيين في دارفور ومناطق أخرى من السودان.

 

خطورة الهجوم لا تقف عند عدد الضحايا فقط، بل تمتد إلى دلالته السياسية والعسكرية. فالحرب التي بدأت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع دخلت طورًا يعتمد بصورة متزايدة على السلاح الجوي الرخيص والأكثر قدرة على الوصول إلى التجمعات المدنية بسرعة، في وقت يتداعى فيه القطاع الصحي وتتفاقم أزمة النزوح والجوع. ووفق تقديرات متداولة في تغطيات دولية، خلّفت الحرب أكثر من 40,000 قتيل، بينما نزح أكثر من 11 مليون شخص من ديارهم، ما جعل السودان يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

 

غارة على حفل زفاف تكشف اتساع دائرة الاستهداف

 

وقعت الغارة في حي السلامة قرب مدرسة الأم للبنات في بلدة كتم، حيث كان السكان يشاركون في مراسم زفاف قبل أن تضرب الطائرة المسيّرة المكان. الأمم المتحدة أكدت أن الهجوم استهدف تجمعًا مدنيًا واضحًا، بينما نسبت جماعات محلية ومحامون وناشطون الهجوم إلى الجيش السوداني، من دون صدور رد رسمي واضح يشرح ملابساته أو يحدد هدفًا عسكريًا مباشرًا في الموقع.

 

الواقعة لم تكن حادثًا منفصلًا عن سياق أوسع داخل المدينة نفسها. قبل يوم واحد فقط، نقلت تقارير إعلامية عن مصدر طبي وناشطين أن ضربة أخرى على كتم قتلت 12 مدنيًا، بينهم 6 أطفال، وأصابت 16 آخرين، ما يشير إلى أن المدينة تتعرض لموجة استهداف جوي متكرر لا إلى ضربة وحيدة عارضة. كما أن بعض التقديرات اللاحقة رفعت حصيلة الهجوم الأكبر على حفل الزفاف إلى مستويات أعلى، وهو ما يعزز احتمال ارتفاع الأرقام مع استمرار أعمال البحث والإسعاف.

 

هذا النمط من الاستهداف يضع المدنيين في دارفور أمام خطر دائم، لأن المناسبات الاجتماعية والمنازل والأحياء السكنية لم تعد بعيدة عن دائرة النار. وحين يتحول الزفاف إلى مأتم جماعي، فإن الرسالة التي تصل إلى السكان ليست فقط أن الحرب تقترب، بل أن أي مساحة مدنية يمكن أن تصبح هدفًا خلال دقائق، في ظل غياب الحماية وغياب المساءلة وسهولة تشغيل المسيّرات فوق مناطق كثيفة السكان.

 

المسيّرات تصعد والحرب تخرج عن أي ضبط

 

التصعيد في كتم يأتي ضمن موجة أوسع من حرب المسيّرات في السودان. مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك حذر في فبراير 2026 من تقارير عن مقتل أكثر من 50 مدنيًا في يومين فقط نتيجة ضربات بطائرات مسيّرة، ثم عاد مكتب المفوضية في مارس ليقول إن أكثر من 500 مدني قتلوا في مثل هذه الضربات بين 1 يناير و15 مارس 2026، وأن معظم هذه الوفيات سُجلت في إقليم كردفان.

 

هذه الأرقام تكشف أن السلاح الجوي غير المأهول لم يعد عنصرًا ثانويًا في الحرب، بل صار أداة مركزية في إدارة القتال. وتقول الأمم المتحدة إن الطرفين استخدما المسيّرات ضد مواقع مدنية في هجمات قد ترقى إلى جرائم حرب، فيما تظل صعوبة التحقق الميداني من المسؤولية المباشرة عائقًا أمام المحاسبة السريعة. لكن النتيجة على الأرض تبقى واحدة، وهي سقوط المدنيين بأعداد كبيرة في مناطق لا تملك ملاجئ ولا منظومات إنذار ولا مستشفيات قادرة على الاستجابة.

 

كما أن استهداف المرافق الطبية زاد الصورة قتامة. ففي مارس 2026 قالت منظمة الصحة العالمية إن ضربة على مستشفى في شرق دارفور قتلت ما لا يقل عن 64 شخصًا، قبل أن ترتفع الحصيلة إلى 70 وفق مسؤولين أمميين. هذا التطور يوضح أن الطيران المسيّر لا يقتل المدنيين فقط، بل يضرب أيضًا البنية التي يفترض أن تنقذ من ينجون من القصف، وهو ما يضاعف الخسائر ويطيل أمد المأساة.

 

ثم إن توسع هذه الضربات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق دفع مزيدًا من السكان إلى النزوح. الأمم المتحدة وصفت الوضع الإنساني في السودان بأنه الأسوأ عالميًا، بينما حذرت في أبريل 2026 من أن أكثر من 1.3 مليون لاجئ سوداني في تشاد يواجهون تخفيضات حادة في المساعدات الأساسية، في وقت تتواصل فيه حركة الفرار من مناطق القتال والقصف. بهذا المعنى، لا تنتج المسيّرات قتلى فحسب، بل تنتج أيضًا موجات نزوح وجوع وانهيارًا اجتماعيًا واسعًا.

 

مدنيون بلا حماية وغياب للمحاسبة

 

المشكلة الأعمق أن هذه الضربات تتكرر بينما يظل الرد الرسمي في كثير من الأحيان محدودًا أو غامضًا. في حالة كتم، لم يظهر تفسير واضح من القوات المسلحة السودانية يوضح سبب قصف موقع مدني خلال مناسبة اجتماعية، في حين سارعت أطراف محلية إلى تحميل الجيش المسؤولية. هذا الفراغ في التفسير يزيد الغضب الشعبي ويترك المجال مفتوحًا أمام روايات متضاربة، لكنه لا يغير حقيقة أن الضحايا مدنيون وأن القانون الدولي يفرض حماية خاصة للتجمعات المدنية والمناسبات الاجتماعية والمدارس والمستشفيات.

 

كما أن طول أمد الحرب منذ أبريل 2023 جعل الانتهاكات تتراكم من دون آلية فعالة للردع. فمع كل مجزرة جديدة تتكرر الإدانات، لكن دائرة الاستهداف لا تضيق، بل تتسع. وحين تتعرض مدينة مثل كتم، الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، لضربات متلاحقة، فإن المدنيين يصبحون عمليًا رهائن بين طرفين يتبادلان النار فوق رؤوسهم، بينما تتراجع مؤسسات الدولة والخدمات والحماية القانونية والإنسانية في آن واحد.

 

التحذيرات الدولية من تحويل المدارس وحفلات الزفاف والمشافي إلى أهداف لم تعد كافية وحدها. المطلوب، وفق المنطق الحقوقي والقانوني، هو تحقيقات مستقلة سريعة، وتحديد واضح للمسؤوليات، وضغط دولي فعلي على طرفي النزاع لوقف استخدام المسيّرات في المناطق المأهولة. لأن بقاء هذه الهجمات من دون محاسبة يعني عمليًا منح الشرعية لاستمرار القتل عن بعد، وترك المدني السوداني يواجه السماء كما يواجه الجوع والنزوح في الوقت نفسه.