لم يأت التصعيد الإسرائيلي الأخير في لبنان كحدث منفصل عن المسار السياسي الجاري في الإقليم، بل ظهر منذ ساعاته الأولى بوصفه محاولة عملية لنسف التهدئة التي خرجت من مسار إسلام آباد، بعدما تعاملت تل أبيب مع الاتفاق باعتباره قيدًا على قدرتها على فرض الوقائع بالقوة. لذلك بدا القصف الذي ضرب بيروت ومناطق لبنانية أخرى أقرب إلى رسالة عسكرية موجهة إلى كل الأطراف المنخرطة في التهدئة، وإلى الوسطاء الذين سعوا إلى تثبيت وقف إطلاق النار قبل انتقاله إلى تفاهمات أوسع.

 

وقال الكاتب والباحث السياسي محمد خيال إن ما كان يستحق وصف المفاجأة فعلًا هو أن يلتزم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ببنود الاتفاق ويوقف إطلاق النار، لأن سلوك الحكومة الإسرائيلية منذ البداية كشف رفضًا ضمنيًا للمسار كله. وربط خيال بين هذا الرفض وبين التحركات التي أعقبت إعلان التهدئة مباشرة، معتبرًا أن إسرائيل اتجهت إلى التعطيل الميداني بدل إعلان الرفض الصريح، حتى لا تدخل في صدام مباشر مع الإدارة الأمريكية التي قبلت بالاتفاق.

 

رفض إسرائيلي مبكر ومسار تهدئة تحت الاختبار

 

قال خيال إن الاتفاق الذي أُعلن بعد تحركات قادها رئيس الوزراء الباكستاني لم يحظ بترحيب داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب، وهو ما انعكس في تسريبات وتقارير أمريكية تحدثت عن تحفظات إسرائيلية واضحة، بل وعن رفض مباشر خلال اتصالات مع الإدارة الأمريكية. ولذلك لم يكن التصعيد اللاحق في لبنان خروجًا مفاجئًا عن المسار، بل امتدادًا لموقف معلن في مضمونه منذ اللحظة الأولى.

 

ثم زاد هذا المسار وضوحًا عندما أعلن نتنياهو في 9 أبريل 2026 أنه لا يوجد وقف لإطلاق النار في لبنان، وأن العمليات ضد حزب الله ستستمر بالتوازي مع الحديث عن مفاوضات مباشرة. بهذا الموقف سحبت الحكومة الإسرائيلية أي التباس سياسي حول نيتها الفعلية، لأن الجمع بين التفاوض والقصف وضع التهدئة نفسها أمام اختبار ميداني مباشر خلال أقل من 24 ساعة على إعلانها.

 

ويعزز هذا الفهم ما أورده الباحث اللبناني مهند الحاج علي، نائب مدير الأبحاث في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، إذ يركز في متابعته للصراع على أن التحولات الجيوسياسية المحيطة بلبنان تجعل الساحة اللبنانية أول مساحة يجري الضغط عليها كلما تغير ميزان التفاهمات الإقليمية. لذلك بدا استهداف لبنان بعد إعلان التهدئة خطوة مرتبطة مباشرة بمحاولة تعديل شروط الاتفاق قبل أن يستقر سياسيًا أو ميدانيًا.

 

وبعد ذلك ظهر التعقيد الأمريكي بوضوح، لأن قبول واشنطن بالمسار الذي تقوده باكستان وضع إسرائيل في موقف يصعب معه إعلان الرفض الكامل دون كلفة سياسية. ولهذا تحدث خيال عن لجوء تل أبيب إلى بدائل غير مباشرة لتعطيل التنفيذ، وهو توصيف ينسجم مع المشهد الذي أعقب التهدئة، حيث استمر التنسيق السياسي الأمريكي الإسرائيلي، بينما تكفلت الضربات الميدانية بإرباك الاتفاق على الأرض.

 

القصف في بيروت وتوسيع ساحة الاشتباك بعد إعلان التهدئة

 

شهدت الساعات التي أعقبت إعلان التهدئة سلسلة تطورات متزامنة، كان أبرزها القصف العنيف الذي استهدف مناطق في بيروت ومناطق لبنانية أخرى. وقد أفادت تقارير دولية بأن إسرائيل نفذت في 8 أبريل 2026 موجة واسعة من الغارات في لبنان، أسفرت عن مئات القتلى والجرحى، فيما أصابت الضربات أحياء مكتظة في العاصمة ومحيطها. بذلك تحولت التهدئة المعلنة إلى لحظة تصعيد بدل أن تكون بداية تثبيت ميداني.

 

وفي الوقت نفسه أشار خيال إلى تقارير تحدثت عن استهدافات طالت مواقع في الخليج، وعن ضربات قيل إنها استهدفت جزيرة لافان ومنشآت نفطية داخل إيران، مع غياب إعلان رسمي من أي طرف بشأن المسؤولية المباشرة. هذا الغياب لم يلغ أثر الوقائع، بل زاد المشهد التباسًا، لأن تعدد الساحات في توقيت واحد جعل التهدئة تبدو وكأنها محاصرة بخطوات ميدانية تضغط عليها من أكثر من اتجاه.

 

كما أضافت مديرة مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط مها يحيى بُعدًا أوضح لهذه الصورة، إذ حذرت في مقال نشرته في 3 أبريل 2026 من أن الاعتداء الإسرائيلي يدفع لبنان نحو حافة انهيار شامل، وأن توسيع الحرب داخل البلد المنهك أصلًا يضاعف أثر الضربات العسكرية سياسيًا واجتماعيًا ومؤسسيًا. وعندما وقع قصف بيروت بعد أيام قليلة، بدا التحذير موثقًا بالحدث نفسه لا منفصلًا عنه.

 

ومن هنا اكتسب حديث خيال عن وجود أطراف تريد تقويض الاتفاق معنى عمليًا، لأن المشهد لم يقتصر على غارة أو رد محدود، بل اتسع إلى نمط من العمليات المتزامنة التي أعادت التوتر إلى الواجهة ورفعت كلفة مهمة الوسطاء. وقد دعمت الوقائع هذا التوصيف، بعدما تزايدت التحذيرات من أن استمرار الهجوم على لبنان قد يهدد المحادثات المرتقبة في إسلام آباد ويفتح الباب أمام انهيار التهدئة بالكامل.

 

إفشال التثبيت الميداني وفرض تفاوض بالقوة

 

أكد خيال أن القاسم المشترك بين هذه الوقائع هو غياب الاعتراف الرسمي بالمسؤولية المباشرة عنها، وهو ما يسمح بخلق فوضى محسوبة تمنع تثبيت الاتفاق من دون إعلان إسقاطه. هذا النمط لا يعطل التهدئة بالقرار السياسي فقط، بل يعطلها بإنتاج واقع ميداني جديد يجعل الوسطاء أمام نار مفتوحة وشروط متحركة. لذلك بدت إسرائيل، في تقديره، صاحبة مصلحة واضحة في إجهاض أي مسار تهدئة طويلة لا ينسجم مع أهدافها في المنطقة.

 

ثم دعمت الوقائع المعلنة هذا التقدير عندما تمسكت إسرائيل علنًا بفصل الساحة اللبنانية عن التهدئة، بينما أصرت باكستان وإيران وجهات أخرى على أن لبنان داخل إطار الاتفاق. وقد حول هذا الخلاف التفسير السياسي إلى مادة اشتباك عسكري مباشر، لأن كل ضربة جديدة كانت تعني عمليًا فرض القراءة الإسرائيلية للاتفاق بالقوة لا عبر التفاهم مع الوسطاء أو الأطراف المعنية.

 

وفي هذا السياق يبرز رأي نيكولاس بلانفورد، وهو باحث مقيم في بيروت وخبير معترف به في الشؤون الأمنية اللبنانية وتطور النشاط العسكري لحزب الله منذ عقود. خبرة بلانفورد الطويلة في متابعة التداخل بين الأمن والسياسة في لبنان تمنح وزنًا إضافيًا لفكرة أن الساحة اللبنانية كثيرًا ما تُستخدم لفرض معادلات تفاوضية بالنار، لا لترك المجال أمام تسويات مستقرة تُختبر بهدوء.

 

وبالتالي لم يعد السؤال مقتصرًا على ما إذا كان التصعيد سيستمر، بل صار متعلقًا بقدرة الوسطاء على منع تحويل المفاوضات إلى مسار شكلي يجري تحت القصف. فحين يعلن نتنياهو التفاوض ويواصل الضرب، يصبح المقصود من العملية السياسية انتزاع تنازلات تحت الإكراه، لا تثبيت وقف إطلاق نار قابل للصمود. وهذه هي النقطة التي ركز عليها خيال حين ربط بين التصعيد وبين محاولة إعادة خلط الأوراق الإقليمية.

 

وأخيرًا تتأكد خطورة المرحلة من تداخل الحسابات العسكرية مع السياسية على نحو يجعل أي تصعيد محدود قادرًا على نسف التفاهمات الجارية خلال وقت قصير. لذلك يظهر ما يجري في لبنان بوصفه مسارًا منظمًا لقطع الطريق على تثبيت اتفاق إسلام آباد، لا بوصفه حادثًا منفصلًا عن المفاوضات. ومع استمرار القصف وغياب التزام إسرائيلي واضح، تبدو التهدئة مهددة من داخل لحظة إعلانها نفسها، فيما يدفع لبنان مرة أخرى كلفة الصراع المفتوح على شروط الإقليم.