أعادت المحاكم المصرية، منذ حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 16 فبراير 2026، فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بجداول المواد المخدرة التي عُدلت بقرارات من رئيس هيئة الدواء من دون سند دستوري صحيح.
هذا الحكم لم يبق داخل حدود التنظير القانوني، بل نزل مباشرة إلى ساحات الجنايات والاستئناف والنقض، حيث بدأت الدوائر القضائية في تعديل أوصاف اتهام سبق أن بُنيت على قرارات أبطلتها المحكمة، بما كشف خللًا رسميًا امتد أثره إلى مئات القضايا وأحكام صدرت بالفعل.
في هذا السياق، لم تعد المسألة مجرد خلاف حول سلطة جهة إدارية في تعديل الجداول، لأن الوقائع التي تلت الحكم أثبتت أن الخلل أصاب مسار العدالة نفسه. وقد ظهر ذلك بوضوح حين خففت محكمة جنايات مستأنف المنيا عقوبة متهم في قضية حيازة الميثامفيتامين المعروف تجاريًا باسم الشابو من 10 سنوات إلى 3 سنوات، بعد سقوط ظرف التشديد الذي استند إلى قرار إداري غير دستوري.
سقوط ظرف التشديد في قضايا الشابو
بعد ذلك، استندت محكمة جنايات مستأنف المنيا إلى قاعدة واضحة مؤداها أن بطلان قرار رئيس هيئة الدواء أزال الصفة المشددة التي نُقلت بها مادة الميثامفيتامين من موضع إلى آخر داخل الجداول الملحقة بالقانون. ولهذا أعادت المحكمة تكييف الاتهام وفق الأصل القانوني الثابت، مع الإبقاء على تجريم المادة بوصفها مخدرًا، لكن من دون العقوبة المغلظة التي نشأت عن القرار الملغى.
وبناء على هذا التكييف، صار الحد الأقصى العملي في عدد من القضايا السابقة على تدخل وزير الصحة لا يتجاوز 3 سنوات، بدلًا من العقوبات التي وصلت في بعض الوقائع إلى 10 سنوات. هذا التحول لم ينتج عن تساهل قضائي، بل فرضه زوال السند الدستوري الذي كانت النيابة والمحاكم تستندان إليه عند اعتبار بعض المواد في موضع أشد داخل الجداول.
وفي شرح الأثر القانوني لهذا المسار، قال المحامي بالنقض والدستورية العليا عمرو عبدالسلام إن الحكم يترتب عليه إسقاط حجية الأحكام التي صدرت استنادًا إلى القرارات المقضي بعدم دستوريتها، كما يفتح الباب أمام وقف تنفيذ الأحكام وإخلاء سبيل المحكوم عليهم فور تبليغ النائب العام بالحكم. ويعزز هذا الرأي الاتجاه الذي ظهر سريعًا في أحكام المنيا بعد سقوط ظرف التشديد.
قرار وزير الصحة أغلق الثغرة بعد الحكم
ثم تحركت السلطة التنفيذية في 17 فبراير 2026 بإصدار قرار وزير الصحة والسكان رقم 44 لسنة 2026 لاستبدال الجداول الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960، وذلك بعد يوم واحد فقط من حكم المحكمة الدستورية. وقد استهدف القرار إعادة إدراج واستبدال الجداول بأداة قانونية صحيحة لسد الفراغ الذي كشفه الحكم ومنع استمرار سقوط الاتهامات الجديدة على الأساس نفسه.
وبسبب هذا التدخل السريع، نشأ خط فاصل حاسم بين وضعين قانونيين مختلفين. فالقضايا المرتبطة بوقائع سابقة على 17 فبراير 2026 ظلت خاضعة لآثار البطلان وسقوط التشديد أو حتى زوال التأثيم في بعض المواد التي لم تكن موجودة أصلًا في الجداول الصحيحة. أما الوقائع اللاحقة على قرار الوزير، فعادت فيها العقوبات المشددة إلى التطبيق لأنها استندت هذه المرة إلى أداة قانونية سليمة.
وفي هذا الإطار، قال المحامي بالنقض والدستورية العليا محمد الجندي إن حكم الدستورية لا يمنع معاقبة مرتكبي جرائم المخدرات من حيث الأصل، لكنه يفرض إخلاء سبيل كل من أُحيل أو حوكم استنادًا إلى قرارات رئيس هيئة الدواء الملغاة. ويؤكد هذا الرأي أن الفارق الحاسم لا يتعلق بوجود التجريم وحده، بل بصحة الأداة التي نقلت المواد أو شددت العقوبات.
النقض تعمم الأثر والنيابة مطالبة بالمراجعة
بعد ذلك، جاءت محكمة النقض لتثبت أن أثر حكم الدستورية لا يقتصر على قضايا الميثامفيتامين، إذ أصدرت أول حكم قضائي مرتبط بالقرارات المقضي بعدم دستوريتها وانتهت فيه إلى براءة متهم من حيازة مادة أحادي أسيتيل المورفين وإلغاء حكم الإدانة السابق. وقد أوضحت المحكمة أن هذه المادة خرجت من دائرة العقاب خلال الفترة السابقة على إعادة إدراجها بقرار وزير الصحة في 17 فبراير 2026.
وبهذا الحكم، أرست النقض قاعدة مباشرة مؤداها أن جميع المتهمين بإحراز أحادي أسيتيل المورفين في القضايا السابقة على إعادة الإدراج يحق لهم الاستفادة من البراءة في أي درجة من درجات التقاضي، سواء أمام الجنايات أو النقض. كما أكدت المحكمة أن الأحكام الصادرة بالإدانة استنادًا إلى قرارات رئيس هيئة الدواء تُعد كأن لم تكن متى تأسست على هذه القرارات الملغاة.
ومن ثم، أصبحت جهات التحقيق والنيابة العامة مطالبة بإعادة ضبط القيد والوصف في القضايا المتداولة، مع استبعاد البنود التي سقطت بعدم الدستورية، بينما يقتضي الأمر في الأحكام النهائية مراجعة تلقائية تفضي إلى إلغاء الإدانة أو إخلاء السبيل فور زوال السند القانوني. وهذا المعنى نفسه أشار إليه المحامي بالنقض محمد سالم حين قال إن الطعون القائمة على قرارات هيئة الدواء ستُنظر باعتبار هذا الأساس قد سقط، بما قد ينتهي إلى تخفيف العقوبات أو البراءة.
وبالتوازي مع ذلك، أظهرت التحركات القانونية المصاحبة للحكم أن بعض المحامين بادروا بطلبات عاجلة لتفعيل أثره الملزم على المحبوسين والمحكوم عليهم، ومنهم هاني سامح الذي طلب من رئيس الوزراء ووزارة العدل والنائب العام إعمال مقتضى الحكم فورًا. وهذه التحركات تكشف أن الأزمة لم تعد مقصورة على منازعة قضائية، بل صارت اختبارًا مباشرًا لمدى التزام أجهزة الدولة بتصحيح آثار قرارات غير دستورية.
ولهذا كله، فإن ما جرى منذ فبراير لا يمكن عزله عن مسؤولية الدولة عن الارتباك الذي ضرب ملفًا جنائيًا شديد الخطورة. فالمحاكم لم تصنع هذه الفجوة، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى تصحيحها حكمًا بعد حكم. وبين تخفيف عقوبات في المنيا، وبراءات في النقض، وإعادة رسم خطوط الاتهام أمام النيابة، يتأكد أن بطلان القرارات الإدارية لم يكن تفصيلًا فنيًا، بل سببًا مباشرًا في انهيار أساس تشديد استخدمته السلطة ضد متهمين قبل أن يطيح به القضاء الدستوري.

