بدأت واقعة الطبيبة داخل مستشفى دهب من خلاف مهني كان يفترض أن يبقى داخل حدود الخدمة الطبية، لكنه خرج سريعًا إلى العلن بعدما وثق مقطع مصور مشادة داخل قسم الطوارئ.

وتحول الخلاف خلال ساعات إلى ساحة غضب عامة، لأن المشهد المنشور دفع كثيرين إلى إصدار حكم نهائي قبل استكمال الوقائع، بينما كانت الأزمة في أصلها مرتبطة بطبيعة الخدمة داخل قسم لا يعمل بمنطق الطلب المباشر بل بمنطق أولوية الخطر.

 

وأوضح مسار الأحداث أن البداية جاءت مع طلب مريضة تركيب محلول حديد داخل الطوارئ، وهو ما رفضته الطبيبة باعتباره إجراء لا يندرج ضمن الحالات العاجلة.

وبعد هذا الرفض تصاعد التوتر، وتبادل الطرفان عبارات حادة، ثم دخل التصوير على خط الأزمة، فانتقلت الواقعة من خلاف داخل منشأة صحية إلى قضية رأي عام تتداخل فيها المساءلة المهنية مع الانفعال الاجتماعي والضغط الإلكتروني.

 

ولفت الدكتور وائل قشطة، نقيب أطباء جنوب سيناء، إلى أن ما جرى لم يكن مجرد مشهد منفصل يمكن اقتطاعه من سياقه، بل تضمن تعديًا لفظيًا وترهيبًا لطبيبة أثناء عملها، إضافة إلى تصوير داخل مرفق طبي.

وهنا تتضح أول عقدة في القضية، لأن الاعتداء على الفريق الطبي لا يلغي حق المريض في الشكوى، لكنه يسقط أي محاولة لتقديم الفوضى باعتبارها وسيلة مشروعة لانتزاع الخدمة.

 

الطوارئ تحت ضغط سوء الفهم

 

وأكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، في أكثر من مناسبة أن أقسام الطوارئ تمثل الوجهة الأولى للحالات الحادة، وأن دورها الحاسم يبدأ عندما تكون حياة المريض أو استقرار حالته في خطر.

ويعني ذلك عمليًا أن الطبيب داخل هذا القسم لا يملك رفاهية توزيع الوقت بالتساوي على كل الطلبات، بل يلتزم بفرز الحالات وفق درجة الخطورة، حتى لو بدا ذلك قاسيًا في نظر من ينتظر الخدمة.

 

وفي هذا السياق، يكشف خلاف دهب عن مشكلة أوسع من المشادة نفسها، وهي أن جزءًا من الجمهور يتعامل مع الطوارئ باعتبارها بابًا سريعًا لأي إجراء علاجي، بينما تتعامل الوزارة معها باعتبارها مساحة إنقاذ لا بد أن تبقى مخصصة للحالات الحرجة أولًا.

وعندما يصطدم هذان التصوران داخل غرفة مزدحمة، يصبح الاحتكاك شبه محتوم، ثم يتحول أي رفض طبي إلى اتهام شخصي أو استعلاء مهني.

 

وأشار المرور الميداني الذي استهدف مستشفى دهب خلال المرحلة الخامسة من جولات الحوكمة إلى وجود تكدس للمرضى وملاحظات تشغيلية داخل المستشفى، وهو ما يضع الواقعة في خلفية أكثر تعقيدًا.

فالضغط اليومي على المكان لا يصنع الخطأ وحده، لكنه يرفع احتمالات الانفجار عند أول خلاف، ويجعل أي عبارة حادة قادرة على نقل التوتر من مستوى فردي إلى أزمة مؤسسية خلال دقائق.

 

حق المريضة لا يلغي واجب الطبيبة

 

وفي موازاة ذلك، شددت وزارة الصحة، بحسب ما نُقل عن مصدر مسؤول، على أن تعرض الطبيبة للاستفزاز لا يمنع مساءلتها عن أسلوب التعامل، ولذلك جرى تحويلها إلى التحقيق الفوري.

وهذه الخطوة كانت ضرورية، لأنها سحبت الملف من منطق التعاطف الأعمى مع طرف واحد، وأعادت القضية إلى أصلها الصحيح، وهو أن الطبيب مطالب بالانضباط المهني حتى في أصعب لحظات الاستفزاز.

 

وأوضح الدكتور أشرف حاتم، رئيس لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب، عند مناقشة قانون تنظيم المسؤولية الطبية وحماية المريض، أن المساءلة العادلة لا بد أن تقوم على معايير واضحة تحفظ حقوق المرضى والأطباء معًا.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية مباشرة في واقعة دهب، لأن الخلل لم يكن في وجود محاسبة، بل في محاولة بعض المتابعين تحويل المحاسبة إلى إدانة شعبية سريعة قبل انتهاء التحقيق وظهور الوقائع كاملة.

 

ويبين هذا المنطق أن المريضة كانت تملك حق الاعتراض وتقديم الشكوى عبر القنوات الرسمية، لكن هذا الحق لا يمتد إلى إهانة الطبيبة أو تعطيل العمل داخل الطوارئ.

وفي المقابل، فإن الطبيبة لم تكن تملك الرد بطريقة منفلتة أو حادة، لأن موقعها المهني يفرض عليها لغة مختلفة حتى عند الرفض.

وبين الحقين يظهر جوهر الأزمة الحقيقي، وهو غياب الحدود الواضحة بين الشكوى المشروعة والسلوك المرفوض.

 

القانون وحده يوقف الفوضى

 

وأكد الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، أن قانون المسؤولية الطبية يمثل إنجازًا مهمًا لأنه ينقل الشكاوى من الانفعال العام إلى مسار منظم قائم على لجان مختصة ومعايير فنية.

وتصبح هذه الفكرة أكثر إلحاحًا بعد واقعة دهب، لأن أخطر ما في مثل هذه الحوادث ليس التجاوز نفسه فقط، بل اعتياد الجمهور على أن الفيديو المنشور يكفي وحده لصناعة الحكم والعقوبة والاتهام.

 

وفي ظل هذا الإطار، لا تبدو القضية مجرد خلاف بين طبيبة ومريضة، بل إنذارًا واضحًا بأن المستشفى لا يمكن أن يعمل تحت سلطة الهاتف المحمول ولا تحت ضغط الشتيمة ولا تحت مزاج التعاطف اللحظي.

فإما أن تبقى الطوارئ محكومة بالفرز الطبي والقانون والإجراءات، وإما أن تتحول إلى ساحة مفتوحة يخسر فيها المريض الجاد حقه أولًا، ثم يخسر الطبيب قدرته على اتخاذ القرار السليم.

 

وأخيرا انتهت الواقعة إلى نتيجة لا تخص دهب وحدها، لأن الدولة أمام اختبار صريح داخل كل قسم طوارئ في مصر.

فإذا تُركت الإهانة تمر بحجة الغضب، وتُرك التجاوز المهني يمر بحجة الاستفزاز، فلن يبقى داخل المستشفى سوى الفوضى.

أما إذا فُرضت المحاسبة على الجميع بالقدر نفسه، فستتحول هذه الأزمة من مشهد مربك إلى لحظة تصحيح واجبة تعيد للطب هيبته وللمريض حقه.