لا تبدو شائعات زيادة البنزين في مصر مجرد موجات عابرة على مواقع التواصل أو نتاجًا طبيعيًا لقلق السوق وحده، لأن تكرارها قبل القرارات الفعلية، ثم مجيء النفي أو التطمين الرسمي، ثم صدور الزيادة لاحقًا، رسم خلال العامين الأخيرين نمطًا متكررًا يصعب فصله عن طريقة إدارة الحكومة لملف الوقود.

والوقائع المنشورة لا تثبت أن الحكومة تصنع كل شائعة بنفسها، لكنها تكشف أنها تستفيد سياسيًا من دورانها ثم من نفيها ثم من فرض القرار بعد تراجع الصدمة الأولى.

 

ولهذا لم يعد السؤال الأهم هو ما إذا كانت الشائعة صحيحة في لحظتها، بل ما الوظيفة التي تؤديها داخل المجال العام قبل القرار.

فكل مرة تتسع فيها الأحاديث عن زيادة مرتقبة، يتحرك الشارع بالنقاش والرفض والقلق، ثم تأتي رسائل التهدئة من الحكومة أو من لجان التسعير أو من رئيس الوزراء، قبل أن يظهر القرار نفسه في توقيت لاحق.

وبذلك تتحول الشائعة إلى أداة تمهيد سياسي، حتى لو لم تعترف السلطة بأنها أطلقتها أصلًا.

 

الشائعة تسبق القرار لقياس الغضب وتهيئة الناس للزيادة

 

بدأ هذا النمط بوضوح أكبر حين ثبتت الحكومة أسعار الوقود في أكتوبر 2024 لمدة ستة أشهر، وقدمت القرار باعتباره مراعاة للضغط على المواطنين.

لكن فترة التثبيت نفسها تحولت إلى مساحة خصبة لتوقعات الزيادة التالية وتسريباتها، لأن الجميع كان يعرف أن موعد المراجعة المقبلة سيأتي حتمًا.

وهكذا لم يُنهِ التثبيت الجدل، بل أجله وترك الشائعة تعمل بوصفها تمهيدًا نفسيًا للقرار التالي.

 

ثم صار هذا التمهيد أكثر وضوحًا في سبتمبر 2025، عندما قال مصطفى مدبولي إن الزيادة المتوقعة في أكتوبر قد تكون الأخيرة، وأكد أن الحكومة التزمت بألا تُقدم على زيادة قبل مرور ستة أشهر.

هذه الرسالة لم تُغلق باب الترقب، بل نقلت الرأي العام من سؤال “هل هناك زيادة” إلى سؤال “كم ستكون الزيادة”.

وهنا أدت الرسالة الرسمية وظيفة امتصاص أولية للرفض عبر جعل القرار يبدو معروفًا ومؤطرًا سلفًا.

 

وبعد ذلك، دعمت التغطيات الاقتصادية هذا المناخ قبل أي قرار فعلي، إذ تحدثت تقارير محلية عن العد التنازلي لاجتماع لجنة التسعير في أكتوبر 2025، وتناولت حجم الزيادة المتوقعة قبل إعلانها الرسمي.

كما نقلت صحف أخرى توقعات بأن الحكومة تتجه إلى الرفع المباشر استجابة لضغوط الدعم وصندوق النقد.

وهذا التراكم الإعلامي منح السلطة فرصة مجانية لاختبار رد الفعل الشعبي قبل تحمل كلفة القرار نفسه.

 

وفي هذا السياق، قال المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، قبل المراجعة الأخيرة، إن أسعار البنزين مرشحة لزيادة جديدة، موضحًا أن لجنة التسعير تراجع خام برنت وسعر الدولار وتكلفة الإنتاج قبل اتخاذ القرار.

أهمية هذا التصريح أنه يصدر عن خبير نفطي معروف لا عن حساب مجهول، ما يجعل التوقعات شبه الرسمية جزءًا من عملية تهيئة السوق والناس قبل إعلان السعر الجديد.

 

النفي المؤقت يصنع صورة زائفة لحكومة تقول إنها مع المواطن

 

بعد مرحلة الترقب، يأتي الدور الثاني في هذا النمط، وهو دور التطمين والنفي أو الوعد بالتثبيت لفترة محددة.

ففي أكتوبر 2025 أعلنت وزارة البترول رسميًا أن الأسعار المعدلة ستظل ثابتة لمدة عام كامل، وقدمت القرار باعتباره إطارًا للاستقرار النسبي في سوق الوقود.

لكن هذا التعهد نفسه لم يصمد سوى أقل من خمسة أشهر، بعدما عادت الحكومة ورفعت الأسعار في مارس 2026 تحت عنوان “الظروف الاستثنائية”.

 

كما استخدمت الحكومة خطابًا مباشرًا يقول إنها تحاول تخفيف العبء عن المواطنين.

ففي تصريحات سابقة، أكد مدبولي أن الأسعار ستظل من دون تغيير لستة أشهر، وأن الحكومة حريصة على تقليل أثر الإصلاح على محدودي ومتوسطي الدخل.

هذا الخطاب لا يمنع الزيادة اللاحقة، لكنه يؤدي وظيفة سياسية مهمة، إذ يمنح السلطة صورة الدولة الحريصة التي تؤجل الألم قدر الإمكان ثم تقول بعد ذلك إن الظروف أجبرتها.

 

ثم يصبح النفي أو التهدئة أداة لإعادة ضبط الانفعال العام.

فحين يسمع الناس أن لا مراجعة قريبة أو أن الزيادة المقبلة قد تكون الأخيرة أو أن الحكومة لن تتحرك قبل أشهر، ينخفض التوتر مؤقتًا ويتراجع الاستعداد للمواجهة أو الاعتراض.

وبعد ذلك، عندما يصدر القرار، يكون جزء من الغضب قد استهلك نفسه مبكرًا في مرحلة الشائعة والنقاش.

وهذه بالضبط هي الفائدة السياسية الكبرى من ترك الشائعة تدور ثم تغليفها برسائل طمأنة.

 

وفي قراءة اقتصادية لهذا السلوك، قال الدكتور مدحت نافع إن طريقة شرح قرارات الوقود تحتاج إدارة مختلفة، مقترحًا الاكتفاء ببيان مكتوب بدل مؤتمر موسع.

ورغم أن حديثه كان منصبًا على توقيت مارس 2026، فإنه يكشف مشكلة أعمق في سياسة التواصل نفسها، وهي أن الحكومة لا تدير الملف باعتباره نقاشًا عامًا شفافًا، بل باعتباره صدمة تحتاج تغليفًا اتصاليًا يخفف وقعها السياسي.

 

الناس تنام على نفي رسمي ثم تستيقظ على سعر جديد

 

انتهى هذا المسار، عمليًا، إلى ما جرى في 10 مارس 2026، حين رفعت الحكومة أسعار البنزين والسولار وغاز السيارات دفعة واحدة، رغم أن قرار أكتوبر 2025 كان قد تحدث عن تثبيت الأسعار لعام كامل.

وزارة البترول بررت الزيادة الجديدة بالظروف الاستثنائية في أسواق الطاقة والتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

لكن الفارق بين وعد “عام كامل” وبين زيادة بعد أقل من خمسة أشهر جعل التطمين السابق يبدو، في نظر كثيرين، مجرد مرحلة مؤقتة قبل الصدمة التالية.

 

ثم جاء خطاب الحكومة بعد الزيادة ليؤكد هذا النمط بدل أن ينفيه.

فقد دافع رئيس الوزراء عن القرار باعتباره ضرورة لحماية الإنتاج المحلي واستقرار الاقتصاد، بينما قالت تقارير دولية إن الحكومة حاولت تطمين سكانها والعمل على احتواء الغضب المتوقع قبل وبعد الزيادة.

وهذا يعني أن الرسالة السياسية الأساسية لم تكن “لا زيادة”، بل “الزيادة مؤجلة إلى أن تصبح قابلة للتمرير”.

 

وبسبب ذلك، يرى الدكتور محمد فؤاد أن زيادة البنزين توفر أموالًا للموازنة لكنها تنتج أيضًا موجة تضخم كبيرة قد تلتهم أي وفورات متوقعة.

ويهم هذا التقدير هنا لأنه يشرح لماذا تخشى الحكومة الإعلان المباشر المبكر عن الزيادات من دون تمهيد، فالأمر لا يتعلق بالوقود وحده، بل بما يسحبه القرار وراءه من ارتفاع في النقل والغذاء والخدمات، وما يفتحه من غضب اجتماعي أوسع.

 

كما يربط وائل النحاس، المستشار الاقتصادي، بين اتجاه الحكومة إلى رفع الأسعار وبين الالتزام بالوصول إلى دعم شبه صفري وفق برنامج الإصلاح.

وهذا الربط يجعل الشائعة أكثر من مجرد فوضى معلوماتية، لأنها تعمل داخل مسار سياسي واقتصادي معروف مسبقًا.

فحين تكون الزيادة متوقعة أصلًا بحكم التزامات الدولة، تصبح الشائعة وسيلة تمهيد لاختبار توقيت التنفيذ وحدوده، لا لاختراع قرار من العدم.

 

وأخيرًا، فإن الوقائع المنشورة خلال 2024 و2025 و2026 لا تثبت حرفيًا أن الحكومة تصنع الشائعة في كل مرة، لكنها تثبت ما هو أخطر سياسيًا، وهو أن الشائعة صارت تعمل لصالحها كلما اقتربت زيادة البنزين.

فهي تسبق القرار، ثم يأتي التطمين الرسمي ليعطي الناس شعورًا مؤقتًا بأن الدولة معهم، ثم يصدر القرار حين يكون الغضب الأول قد تراجع.

ولهذا لم تعد شائعة البنزين خبرًا جانبيًا، بل صارت جزءًا من طريقة الحكم نفسها في إدارة الصدمة وتمرير الزيادة بعد أن يهدأ الشارع.