تشهد أسواق الطاقة واحدة من أشد موجات الاضطراب منذ سنوات بعد أن دفعت الحرب الدائرة على إيران، وإغلاق مضيق هرمز فعليا أو شبه فعليا، أسعار النفط إلى ارتفاعات حادة لعدة جلسات متتالية.
وسجل عقد خام برنت الأقرب استحقاقا مستويات قاربت 115 دولارا للبرميل، بينما تجاوز الخام الأميركي 105 دولارات، وسط خوف متصاعد من نقص الإمدادات وعودة التضخم إلى الواجهة في الاقتصادات الكبرى.
تنعكس هذه القفزة على صورة أوسع من مجرد حركة سعرية يومية، لأن السوق لا تتعامل مع حادث منفصل بل مع شلل أصاب أهم ممر نفطي في العالم تحت ضغط الحرب والتصعيد البحري والضربات المتبادلة.
ولهذا بدا الارتفاع في الأسعار شهادة جديدة على أن إدارة الصراع جرت على حساب استقرار الاقتصاد العالمي، بينما اكتفت القوى الكبرى بإنتاج مزيد من التهديدات المتناقضة.
إغلاق هرمز يعطل الإمدادات ويرفع الأسعار إلى مستويات استثنائية
بدأت الموجة الحالية من نقطة واضحة، إذ أدى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز إلى خنق شريان يمر عبره نحو خمس الإمدادات العالمية من النفط في الظروف المعتادة.
وأكدت وكالة الطاقة الدولية في تقرير مارس أن تدفقات الخام والمنتجات عبر المضيق هبطت من نحو 20 مليون برميل يوميا قبل الحرب إلى مجرد كميات ضئيلة، مع خفض دول الخليج إنتاجها بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يوميا.
ثم انعكس هذا الانقطاع مباشرة على الأسعار، فارتفع خام برنت في مارس بأكبر مكاسبه الشهرية منذ عقود بحسب تقارير سوقية، بينما سجل الخام الأميركي قفزة موازية دفعت المخاوف من موجة تضخم جديدة.
وأوضحت تقارير السوق أن عقد برنت الأقرب استحقاقا صعد بقوة حتى مع تذبذب العقود اللاحقة، لأن المتعاملين سعّروا الخطر الفوري على الإمدادات لا الاحتمالات البعيدة فقط.
وبعد ذلك زادت المخاوف عندما تعرضت الناقلة الكويتية السالمي لهجوم قرب دبي وهي تحمل مليوني برميل، ما أعاد المخاطر البيئية والأمنية إلى الواجهة ورفع كلفة التأمين والشحن.
وأكدت تقارير صحفية أن الحريق أُخمد من دون إصابات أو تسرب نفطي، لكن الحادث دفع ناقلات أخرى إلى الابتعاد عن المنطقة، وهو ما زاد الضغط على السوق العالمية.
وفي هذا السياق قالت فاندانا هاري، مؤسسة شركة فاندا إنسايتس، إن اتجاه الأسعار سيبقى صاعدا ما دام مرور النفط عبر هرمز مقيدا، وأضافت أن مدى الارتفاع التالي يرتبط مباشرة بطول فترة الإغلاق.
وهذه الشهادة تكتسب وزنا لأن السوق لم تعد تخشى شائعة عابرة، بل أزمة إمداد مستمرة تتغذى من الحرب ومن العجز عن إعادة الملاحة إلى طبيعتها.
الحرب تتوسع وتهدد منشآت الطاقة فيما تتخبط واشنطن بين التهديد والتفاوض
تفاقمت الأزمة لأن الصراع لم يتوقف عند تعطيل الشحن، بل تمدد إلى استهداف منشآت ومواقع ذات صلة مباشرة بالطاقة.
وأشارت تغطيات حديثة إلى أن الضربات المتبادلة طالت بنى تحتية حيوية في المنطقة، بينما لوحت واشنطن بمزيد من التصعيد إذا لم يُفتح المضيق.
وهكذا انتقلت السوق من حساب نقص المعروض إلى حساب احتمال تدمير مزيد من القدرة الإنتاجية والنقلية.
ثم ظهر التناقض الأميركي بوضوح عندما جمع دونالد ترامب بين التهديد بضرب البنية التحتية الإيرانية وبين الإيحاء بإمكانية إنهاء الحرب من دون إعادة فتح هرمز فورا.
ونقلت صحف أميركية أنه أبلغ مساعديه استعداده لوقف العمليات مع ترك عبء إعادة فتح الممر على الحلفاء، بينما تحدثت تقارير أخرى عن استمرار قنوات التفاوض غير المباشر بالتوازي مع القصف والإنذارات.
كما زاد التخبط لأن الحلفاء الأوروبيين أبدوا تحفظا على الانخراط العسكري المباشر، في وقت واصل فيه البيت الأبيض الضغط عليهم لتحمل عبء تأمين الملاحة.
ونقلت أسوشيتد برس وواشنطن بوست أن عواصم أوروبية كبرى شددت على أولوية الحل الدبلوماسي وابتعدت عن تبني الحرب، وهو ما فضح هشاشة الخطاب الأميركي الذي يهدد عسكريا ثم يطلب الغطاء والدعم من الآخرين.
وفي هذا الموضع قالت ناتاشا كانيفا، رئيسة أبحاث السلع في بنك جيه بي مورغان، إن الأزمة لم تعد محصورة في الخليج وحول هرمز، بل امتدت إلى البحر الأحمر وباب المندب، وهما من أكثر نقاط الاختناق حساسية لتدفقات الخام والمنتجات المكررة.
وهذا التقدير يكشف أن السوق تواجه اتساعا جغرافيا للخطر لا مجرد تعطل موضعي يمكن احتواؤه بسرعة.
التداعيات الاقتصادية تتسع والضغوط السياسية تكشف فشل إدارة الأزمة
تزداد كلفة هذه الفوضى لأن صعود النفط لا يضرب سوق الطاقة وحدها، بل يضغط على أسعار النقل والغذاء والصناعة ويهدد موازنات الدول المستوردة.
وحذر صندوق النقد الدولي من أن الحرب في الشرق الأوسط سترفع الأسعار وتبطئ النمو العالمي، فيما أكدت وكالة الطاقة الدولية أن ما جرى يمثل أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمية الحديثة من حيث تداخل أزمة النفط مع أزمة الغاز.
ثم اتخذت الانتقادات الإيرانية بعدا سياسيا مباشرا حين قال علي خضريان، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إن المنطقة لم تدخل بعد كل طبقات الحرب، محذرا دولها من التهاون.
وجاء ذلك وسط اتهامات داخلية وخارجية لواشنطن بالتناقض بين ادعاء السيطرة على الميدان وبين طلب المساندة من أوروبا وحلف شمال الأطلسي لتأمين الممرات المائية.
كما تعمق هذا الارتباك لأن الأسواق لم تعد تصدق الروايات الرسمية بسهولة، بعد أن أثبتت الأيام الأخيرة أن خطوط الإمداد أكثر هشاشة مما زعمت الحكومات.
وقال جيوفاني ستونوفو، محلل النفط في يو بي إس، إن اتجاه الأسعار سيظل صاعدا ما دام تدفق النفط عبر هرمز مقيدا.
وهذا التقدير ينسف أي محاولة سياسية لتهوين الأزمة بينما الوقائع الميدانية تدفع السوق إلى مزيد من القلق.
وأخيرا يتضح من مسار الأيام الأخيرة أن القفزة النفطية لم تكن حادثا ماليا عابرا، بل نتيجة مباشرة لحرب توسعت بلا حساب، ولمرور بحري جرى خنقه، ولخطاب أميركي جمع بين التصعيد والتراجع في الوقت نفسه.
ولهذا تبدو سوق الطاقة اليوم رهينة صراع سياسي وعسكري مفتوح، بينما يدفع العالم كله ثمن إدارة مرتبكة للأزمة تهدد الإمدادات والتضخم والاستقرار الاقتصادي معا.

