منذ صدور قانون تنظيم خدمات النقل البري للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات في يونيو 2018، كان المفترض أن تدخل منظومة النقل الذكي في مصر مرحلة واضحة: شركات مرخصة، بطاقات تشغيل للسائقين، تصاريح للمركبات، وعلامات إيضاحية ظاهرة تمنع الالتباس وتضبط المسؤولية. لكن ما جرى على الأرض كان عكس ذلك.
القانون موجود. واللائحة موجودة. والعقوبات موجودة. أما التطبيق الكامل للآليات الأساسية نفسها، فبقي موضع تعثر وشكاوى وتضارب، بينما يدفع السائق والراكب والشركات الثمن معًا. وفي نهاية هذه المقدمة فقط ظهر ذلك مجددًا عبر طلب إحاطة تقدم به النائب علي خليفة إلى مجلس النواب، شاكيا من عدم تفعيل القانون، ومتحدثا عن غرامات تصل إلى 20 ألف جنيه على السائقين و5 ملايين جنيه على الشركات، وعن نحو 2 مليون سائق تضرروا من هذا الارتباك.
هذه الأرقام وردت في طلب الإحاطة، ولم يتسن التحقق منها بشكل مستقل حتى الآن. أما الثابت بلا نزاع فهو أن القانون الصحيح هو رقم 87 لسنة 2018، لا 86، وأن مواده التنفيذية الخاصة ببطاقات التشغيل والعلامة الإيضاحية والعقوبات منصوص عليها بوضوح منذ سنوات.
قانون كامل على الورق.. وفجوة مفتوحة في الشارع
النصوص القانونية في هذا الملف ليست غامضة. المادة 8 من القانون تحظر تشغيل المركبة في خدمة النقل الذكي من دون تصريح تشغيل، وتحظر على السائق مزاولة الخدمة من دون بطاقة تشغيل. كما أن المادة 7 تنص على وجود علامة إيضاحية للمركبة، ثم جاءت المادة 17 من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2180 لسنة 2019 لتحدد شكل البطاقة والعلامة الإيضاحية ومكانها وطريقة إصدارها. بمعنى أوضح: الدولة لم تكتف بإقرار مبدأ التنظيم، بل وضعت تفاصيله الفنية أيضًا. لكن السؤال الذي يكشف أصل الأزمة هو: إذا كانت القواعد مكتوبة بهذا الوضوح، فلماذا بقيت الشكاوى من غياب التطبيق العملي قائمة حتى الآن؟
الأخطر أن القانون نفسه ربط عدم وجود هذه الأدوات بعقوبات مباشرة. المادة 15 تعاقب من يقدم الخدمة من دون ترخيص أو تصريح تشغيل أو بطاقة تشغيل بغرامة من 200 ألف إلى 5 ملايين جنيه، بينما المادة 16 تعاقب السائق الذي يقود من دون تصريح أو بطاقة، أو يقود مركبة لا تحمل العلامة الإيضاحية، بغرامة من 5 آلاف إلى 20 ألف جنيه. هنا تظهر الفضيحة كاملة: السائق قد يعاقب على غياب أداة يفترض أن الجهة المنظمة فعّلتها وأتاحت إصدارها بانتظام. وإذا تعثر التطبيق الإداري أو تأخر، فإن العقوبة تتحول من وسيلة ضبط إلى أداة ظلم مباشر.
وفي هذا السياق، تبدو شهادة سيد متولي، الرئيس السابق لجهاز النقل الذكي، شديدة الدلالة. متولي قال في تصريحات موثقة خلال 2024 إن شركات النقل الذكي العاملة في مصر لم تحصل حتى ذلك الوقت على تراخيص بموجب القانون، وإن الموجود فعليًا هو ما يشبه رخصة مزاولة نشاط، مع استمرار تلقي طلبات لتقنين الأوضاع. هذا الكلام ليس رأيًا سياسيًا من خارج الملف، بل شهادة مسؤول سابق من داخل المنظومة. ومعناه الصريح أن الفجوة بين القانون والتطبيق ليست ادعاء سائقين فقط، بل مشكلة مؤسسية ممتدة.
السائق والراكب يدفعان ثمن ارتباك الدولة
الخلل هنا لا يضرب السائقين وحدهم. حين تغيب البطاقات الموحدة والعلامات الإيضاحية الواضحة وآليات التحقق الصارمة، يصبح الراكب نفسه داخل منظومة نصف منظمة. يعرف اسم التطبيق. لكنه لا يعرف دائمًا هل السائق الذي أمامه مستوفٍ لاشتراطات الدولة فعلًا أم مستوفٍ لاشتراطات الشركة فقط. وهذه الفجوة ليست نظرية. خلال 2024 و2025 و2026، عادت إلى الواجهة سلسلة من الوقائع الجنائية والأمنية المرتبطة بخدمات النقل الذكي، من تحرش واحتجاز وابتزاز وعنف، بما كشف أن النمو السريع للقطاع لم يواكبه الإحكام نفسه في الرقابة والفحص والتتبع.
الدكتور أحمد سعيد، أستاذ القانون التجاري الدولي، وصف المنظومة الحالية بأنها تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير الأمان المطبقة عالميًا، وقال إن غياب الرقابة الفنية والقانونية جعل الركاب، خصوصًا النساء، ضحايا محتملين. كما تحدث عن نمط تسجيل سيارات وسائقين عبر وسطاء أو “متعهدين”، بما يفتح الباب لوجود سائق فعلي لا تعرفه الشركة الأم بما يكفي. والأهم أنه ربط بين هذا الارتباك وبين غياب التسجيلات والوسائل الإلزامية للحماية، معتبرًا أن البرلمان اكتفى بتوصيات غير ملزمة بدل تعديل النصوص الملزمة وإنفاذها. هذا التوصيف يذهب إلى جوهر المشكلة: ليست الأزمة في تطبيق ناقص فقط، بل في إرادة تنظيمية رخوة سمحت للفوضى أن تستقر.
ولا يقف الأمر عند حدود الأمان الشخصي. أحمد سعيد أشار أيضًا إلى أن سائقين يتعرضون لغرامات داخل محيط مطار القاهرة بسبب تضارب أوضاعهم المرورية، ما يدفع بعضهم إلى إلغاء الرحلات أو التفاوض العشوائي مع الركاب والسائحين خارج التطبيق، وهو ما يسيء إلى الخدمة وإلى صورة البلد معًا. هنا يصبح السائق ليس متهمًا دائمًا، بل ضحية تنظيم معطل لا يمنحه وضعًا قانونيًا مستقرًا، ثم يطالبه بالامتثال الكامل تحت تهديد العقوبة.
الدولة تريد السيطرة.. لكنها تؤجل الحسم
السلطة من جهتها لا تبدو غائبة عن الملف. القانون نفسه منح جهات الأمن القومي حق الوصول إلى البيانات والمعلومات الفنية عند الطلب، وألزم الشركات بحفظ البيانات 180 يومًا متصلة وإتاحتها للجهات المختصة. كما أن اللائحة التنفيذية وضعت تصورًا دقيقًا للبطاقات والعلامات. أي أن الدولة تريد السيطرة والرقابة والجباية أيضًا. لكنها لم تُظهر حتى الآن الحسم نفسه في استكمال البناء التنفيذي الذي يحمي السائق والراكب والشركة من العشوائية. هذه هي المفارقة: تشدد في النصوص والعقوبات، وتراخٍ أو بطء في التطبيق الفعلي للأدوات التي تجعل الالتزام ممكنًا.
الخبير التقني مروان أحمد قال إن التطبيقات العاملة في النقل الذكي يجب أن تخضع لرقابة أوثق من أجهزة وزارة الداخلية، مع وسائل تقنية تسمح بالتعرف على السائقين قبل العمل ومنحهم ما يفيد حسن السير والسلوك والانضباط. هذا الطرح لا يناقض القانون، بل يكشف نقص تنفيذه. لأن المشكلة لم تعد في غياب التشريع، بل في ضعف الربط بين نصوصه وبين واقع التشغيل اليومي. وعندما يبقى السائق معلقًا بين شركة تريد استمرار الخدمة، وجهة إدارية لم تحسم أدوات التنظيم، ومرور يطبق الغرامة، فإن القطاع كله يتحول إلى حقل عقوبات لا إلى خدمة عامة مستقرة.
الخلاصة أن ملف النقل الذكي في مصر لم يعد يحتمل التجميل. القانون موجود منذ يونيو 2018. واللائحة موجودة منذ سبتمبر 2019. والعقوبات واضحة. لكن التعثر في بطاقات التشغيل والعلامات الإيضاحية والترخيص النهائي خلق منظومة تستهلك السائق وتقلق الراكب وتربك الشركات. لهذا فإن أصل القضية ليس طلب إحاطة جديدًا ولا شكوى عابرة من نائب. أصل القضية أن الدولة تركت قطاعًا يمس حياة الملايين معلقًا بين نص نافذ وتنفيذ متعثر، ثم سمحت بأن تعمل الغرامة أسرع من التنظيم، وأن تسبق العقوبة الحماية، وأن يتحول القانون من أداة ضبط إلى عنوان جديد للفوضى.

