جاء تقرير السعادة العالمي لعام 2026 ليضع مصر في المركز 139 من بين 147 دولة، بينما حل الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة في المركز 109، أي بفارق 30 مركزًا كاملًا. وفي الوقت نفسه، جاءت إسرائيل في المركز 8 عالميًا، وحلت الإمارات والسعودية في المركزين 21 و22.
الترتيب لا يقيس الدخل فقط. ولا يقيس الدعاية الرسمية. هو يقيس شيئًا أكثر إحراجًا: كيف يقيّم الناس حياتهم هم، لا كيف تريد الحكومات أن تبدو. التقرير صدر في 19 مارس 2026 عن مركز أبحاث الرفاه بجامعة أكسفورد بالشراكة مع Gallup وشبكة الأمم المتحدة للحلول المستدامة، وركز هذا العام على العلاقة بين السعادة واستخدام السوشيال ميديا، خاصة بين الشباب.
ترتيب يفضح الفجوة بين الأرقام الرسمية وما يشعر به الناس
المفارقة القاسية أن مصر لا تبدو منهارة بالكامل على الورق في بعض المؤشرات التفسيرية التي يستخدمها التقرير. فجدول الترتيب يوضح أن تقييمات المصريين الذاتية لحياتهم جاءت أسوأ بكثير من بعض العوامل المساعدة المعتادة، مثل نصيب الفرد من الناتج، وعدم المساواة، والحرية، وهي مفارقة تعني ببساطة أن المؤشرات المجردة لا تنجح في إقناع الناس بأن حياتهم تتحسن فعلًا. هذا هو لبّ الأزمة. الإحساس العام يسبق الجداول. ويهزمها أيضًا حين تصبح ضغوط المعيشة أوسع من أي سرد رسمي عن “الاستقرار”.
جون هيليويل، أحد مؤسسي تقرير السعادة العالمي، يوضح القاعدة الحاسمة في قراءة النتائج: “الترتيب نفسه يعتمد فقط على إجابات الناس عندما يُطلب منهم تقييم حياتهم”. هذا الكلام ينسف أي محاولة لتخفيف وقع المركز 139 بالحديث عن أرقام متناثرة هنا أو هناك. الناس في مصر لا يجيبون على سؤال عن بيانات حكومية. هم يجيبون على سؤال أبسط وأكثر مباشرة: هل الحياة محتملة؟ وهل تتحسن؟ وعندما تأتي الإجابة بهذا القدر من التدني، فالمشكلة سياسية واجتماعية قبل أن تكون حسابية.
هذا التراجع المصري لا يمكن فصله عن واقع اقتصادي وحقوقي ضاغط. التضخم السنوي في مصر بلغ 13.4% في فبراير 2026 بحسب بيانات منسوبة إلى CAPMAS، بينما ظل الحد الأدنى لأجور القطاع الخاص عند 7,000 جنيه منذ مارس 2025. وفي الوقت نفسه، وثقت تقارير حقوقية استمرار القيود الواسعة على التعبير والتنظيم والحياة العامة. التقرير نفسه لا يختزل السعادة في سبب واحد، لكنه يترك أمامك الصورة واضحة: حين تتآكل القدرة الشرائية، وتضيق المساحة العامة، يصبح من الصعب أن تقنع الناس بأن جودة حياتهم أفضل مما يشعرون به.
فلسطين تتقدم رغم الحرب.. وإسرائيل في المركز 8 تكشف حدود المؤشر
النتيجة الخاصة بفلسطين كانت من أكثر ما أثار الانتباه. الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة جاءوا في المركز 109، متقدمين على مصر بـ30 مركزًا، رغم الحرب المدمرة على غزة وما خلفته من قتل وخراب ونزوح واسع. وفي المقابل، جاءت إسرائيل في المركز 8 ضمن أسعد دول العالم. هذه المفارقة لا تعني أن الفلسطينيين يعيشون أوضاعًا أفضل ماديًا، ولا تعني أن الحرب بلا أثر. لكنها تؤكد مرة أخرى أن المؤشر لا يقيس حجم الدمار وحده، بل متوسط تقييم الناس لحياتهم عبر 3 سنوات، وأن التماسك الاجتماعي ومعنى الصمود والشبكات العائلية قد يرفعان التقييم الذاتي حتى داخل ظروف قاسية جدًا.
يان-إيمانويل دي نيف، مدير مركز أبحاث الرفاه في أكسفورد وأحد محرري التقرير، قال إن الأدلة العالمية توضح أن أثر السوشيال ميديا على الرفاه “يعتمد بشدة على المنصات المستخدمة، ومن يستخدمها، وكيف يستخدمها، ومدة الاستخدام”، مع تأكيده أن الاستخدام الكثيف يرتبط بانخفاض واضح في الرفاه. هذه الملاحظة مهمة هنا لأن تقرير 2026 لا يقول إن المنطقة العربية تعيش خارج قوانين العالم. بل يقول إن التفاعل مختلف. السوشيال ميديا ليست تفسيرًا وحيدًا للفجوة بين مصر وفلسطين أو بين مصر والخليج، لكنها جزء من بيئة ضغط أوسع وليست عاملًا بريئًا.
السوشيال ميديا ليست شماعة.. لكنها تضاعف الضغط حين تكون الحياة أصلًا مختنقة
الفصل الخاص بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا في التقرير يقول بوضوح إن استخدام السوشيال ميديا في المنطقة من الأعلى عالميًا، وإن الاستخدام الثقيل، أي أكثر من 5 ساعات يوميًا، يرتبط بارتفاع التوتر وأعراض الاكتئاب وبإحساس أقوى بأن المستخدمين صاروا أسوأ حالًا من آبائهم. كما يوضح أن الخطر لا يتعلق بالمدة فقط، بل بالنمط أيضًا: المنصات البصرية، والخلاصات الخوارزمية، وثقافة الإنفلونسرز، والاستهلاك السلبي، كلها ترتبط بنتائج أسوأ من التطبيقات التي تسهل التواصل المباشر. وفي المنطقة، لا يبدو أن النساء يتضررن أكثر من الرجال بمجرد الاستخدام الكثيف، بخلاف ما يظهر في بعض البلدان الناطقة بالإنجليزية، لكن التقرير يربط انخفاض استخدام النساء أصلًا باعتبارات المضايقات والرقابة الأسرية والسمعة الاجتماعية.
هنا تأتي أهمية الرأي الثالث. جوناثان هايدت، الذي كتب فصلًا في التقرير مع زاك راوش، يذهب إلى أن هناك “أدلة طاغية” على أضرار شديدة ومباشرة وواسعة النطاق من السوشيال ميديا على المراهقين، إلى حد يبرر الحديث عن أثر على مستوى السكان، لا على مستوى الحالات الفردية فقط. لكن حتى هذا الطرح الصارم لا يبرئ الواقع المصري من مسؤوليته. لأن السوشيال ميديا، في الحالة المصرية، لا تخلق الضيق من فراغ. هي تعمل داخل بيئة مثقلة أصلًا بالغلاء والاختناق وانسداد الأفق. لذلك فإن الرسالة الأوضح في تقرير 2026 ليست أن المصريين تعساء بسبب الهاتف فقط، بل أن الهاتف صار يضاعف شعورًا أقدم وأعمق: أن الحياة لا تتحسن كما ينبغي، مهما قالت المؤشرات الرسمية عكس ذلك.

