لا تكشف أرقام البطالة في مصر كل الحقيقة، لكنها تفضح جزءا منها على الأقل. حين يكون هناك 2.2 مليون متعطل من إجمالي قوة العمل، فالمشكلة ليست مجرد عجز اقتصادي عابر، بل فشل ممتد في إدارة سوق العمل. ما يجري ليس فقط عجزا عن توفير فرص شغل، بل صناعة بيئة طاردة للشباب، تدفعهم إلى القبول بأي عمل مهين، أو إلى الهجرة باعتبارها المخرج الوحيد من بلد تضيق فيه فرص الحياة الكريمة يوما بعد يوم.
بطالة معلنة وسياسات تدفع الشباب خارج البلد
الرقم الرسمي يقول إن هناك 2.2 مليون متعطل، لكن هذا الرقم لا يروي وحده حجم الأزمة. خلفه آلاف الخريجين الذين يدورون في حلقات مغلقة بين تدريب بلا عائد، ووظائف بلا عقود، وأعمال مؤقتة لا تكفي أجرة مواصلات ولا تمنح أي استقرار. الحكومة تتعامل مع البطالة باعتبارها رقما دعائيا يمكن تجميله، لا كارثة اجتماعية تتسع في قلب جيل كامل. لذلك تنشغل بخفض النسبة على الورق، بينما يظل الشباب عالقا بين الانتظار واليأس والعمل الهش.
الأخطر أن السلطة لا تكتفي بالفشل في خلق فرص عمل حقيقية، بل تشارك عمليا في تطفيش الشباب من البلد. يحدث ذلك حين يصبح الأفق مغلقا، وحين تتحول الوظيفة إلى باب للمهانة لا بابا للحياة. الشاب الذي لا يجد عملا لائقا بعد سنوات التعليم، أو يجد عملا لا يحفظ كرامته ولا يضمن مستقبله، لا يحتاج إلى من يقنعه بالسفر. الواقع نفسه يقوم بالمهمة. وهكذا تتحول الهجرة من قرار فردي إلى رد فعل جماعي على سوق عمل خانق ودولة لا ترى في الشباب سوى فائض يمكن التخلص منه.
ولا يتعلق الأمر فقط بعدد الوظائف، بل بنوعية ما هو مطروح منها. ما تتيحه السوق في قطاعات واسعة ليس عملا مستقرا، بل تشغيل مؤقت بأجور متدنية وساعات طويلة وحقوق غائبة. الدولة تعرف ذلك، لكنها تتركه يتمدد. لا حماية حقيقية للعامل، ولا رقابة جادة على أصحاب الأعمال، ولا إرادة سياسية لوقف هذا الانحدار. النتيجة أن ملايين الشباب لا يواجهون فقط البطالة، بل يواجهون شكلا آخر منها، أكثر قسوة، اسمه العمل بلا أمان وبلا قيمة.
ساعات عمل طويلة وأجور مهينة وسخرة مقنّعة
في جزء كبير من سوق العمل المصري، لا يعمل الشباب في وظائف طبيعية، بل في أوضاع أقرب إلى السخرة المقنّعة. ساعات العمل تمتد بشكل مبالغ فيه، وأحيانا تتجاوز الحدود المعقولة يوميا وأسبوعيا، بينما الأجر لا يتناسب لا مع حجم الجهد ولا مع الوقت المبذول ولا مع كلفة المعيشة. العامل يستهلك صحته ووقته وأعصابه، ثم يعود آخر الشهر براتب لا يكفي الطعام والسكن والمواصلات الأساسية. هنا لا يصبح العمل حلا للبطالة، بل يتحول إلى وجه آخر من وجوه الفقر.
المشكلة ليست استثناءات فردية، بل نمط واسع يجري تحت سمع وبصر الدولة. كثير من أصحاب الأعمال يتعاملون مع الشباب باعتبارهم قوة رخيصة يمكن الضغط عليها إلى أقصى حد، لأن البديل موجود دائما في طابور البطالة الطويل. هذا الاختلال الفج في ميزان القوة يجعل العامل يقبل بما لا يجب أن يقبل به أحد. يقبل ساعات إضافية بلا مقابل عادل، ويقبل الإهانة خوفا من الطرد، ويقبل غياب التأمين والعقد لأنه يعرف أن الاعتراض قد يعني العودة فورا إلى صفوف المتعطلين.
وحين تغيب الرقابة، تتوحش السوق. لا تفتيش كافيا، ولا محاسبة رادعة، ولا حماية فعالة من الفصل التعسفي أو الاستغلال. الأسوأ أن الخطاب الرسمي يواصل الحديث عن التمكين والتشغيل والاستثمار، بينما الواقع اليومي يقول شيئا آخر تماما. يقول إن قطاعا واسعا من الشباب يعمل تحت ضغط الحاجة لا تحت حماية القانون. ويقول إن الدولة لا تضبط السوق، بل تتركها لمن يدفع أقل ويكسب أكثر ولو على حساب البشر. وهذا بالضبط ما يجعل كلمة السخرة ليست مبالغة صحفية، بل توصيفا يقترب من حقيقة ما يجري.
حين يصبح السفر أرحم من البقاء
في ظل هذا المشهد، لا تبدو رغبة الشباب في السفر نزوة ولا بحثا عن الرفاه. هي في جوهرها محاولة للنجاة. الشاب لا يهرب من وطنه لأنه يكره البلد، بل لأنه لم يعد يجد مكانا له فيها. حين تكون البطالة واسعة، والعمل المتاح مهينا، والأجر لا يكفي، والرقابة غائبة، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا يسافر الشباب، بل لماذا يبقى من بقي. الهجرة هنا ليست حلما رومانسيا، بل تصويت قاس ضد السياسات التي أغلقت الأبواب في الداخل.
الحكومة تتحمل المسؤولية السياسية كاملة عن هذا الوضع. لأنها لم تبن اقتصادا ينتج فرصا كافية ومحترمة، ولم تفرض قواعد عادلة في سوق العمل، ولم توقف تحويل الشباب إلى وقود مجاني في ماكينة الاستغلال. ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة تشغيل، بل جريمة اجتماعية بطيئة ضد جيل كامل. جيل يتعلم ثم يتعطل، أو يعمل ثم يُستنزف، أو يقرر في النهاية أن خلاصه الوحيد في مطار أو مركب أو عقد سفر.
الخلاصة أن أزمة 2.2 مليون متعطل ليست رقما معزولا، بل عنوانا لفشل أوسع. فشل في التشغيل، وفشل في الأجور، وفشل في الرقابة، وفشل في حماية الكرامة الإنسانية داخل أماكن العمل. ولهذا لم تعد القضية فقط أن الشباب بلا وظائف، بل أن من يعمل منهم أيضا بلا أفق. وحين يصبح البقاء مرادفا للاستنزاف، ويصبح السفر مرادفا للأمل، تكون السلطة قد خسرت المعركة الأساسية، معركة الاحتفاظ بشباب البلد لا طردهم منها.

