تدفع الحكومة بملف الطروحات والخصخصة في توقيت ملتبس، بينما تتزايد التحذيرات من أن البيع السريع لشركات قطاع الأعمال العام قد ينتهي إلى النتيجة الأسوأ، أصول استراتيجية تخرج إلى السوق تحت ضغط الاحتياج للسيولة لا وفق قيمة عادلة ولا بعد إعداد كاف، وهو ما يفتح الباب لخسارة مزدوجة، خسارة الدولة في التقييم، وخسارة المستثمر في شركة لم تستكمل إصلاحها بعد. هذه المخاوف لا تأتي من معسكر رافض للطرح من الأصل، بل من داخل دوائر اقتصادية وتجارية تؤيد توسيع الملكية الخاصة ولكنها تحذر من تحويل البرنامج إلى تصفية مقنعة لأصول عامة قبل إصلاحها ورفع كفاءتها. وفي 15 مارس 2026 أعلنت وزارة الاستثمار وصندوق مصر السيادي المضي في إجراءات طرح حصة أقلية تصل إلى 20% من شركة مصر لتأمينات الحياة، في إطار تسريع برنامج الطروحات، بما يؤكد أن الملف يتحرك الآن بوتيرة متسارعة لا تحتمل أخطاء التسعير والإعداد.
ما يجعل التحذير أكثر جدية أن محمد عطية الفيومي نفسه، أمين صندوق الاتحاد العام للغرف التجارية، كان من المؤيدين لتوسيع برنامج الطروحات باعتباره دعما لوثيقة ملكية الدولة وتوسيع قاعدة الملكية، ثم عاد في تصريحات أحدث ليربط نجاح الطرح بجودة الإعداد المسبق وبتحسين أداء الشركات قبل عرضها على المستثمرين. هذا التحول في النبرة مهم، لأنه يعني أن المشكلة لم تعد في مبدأ الطرح وحده، بل في توقيته وشروطه، وفي خطر أن تتحول الخصخصة من أداة إصلاح إلى أداة بيع عاجل تحت ضغط الأزمة. والوقائع الرسمية نفسها تقول إن الحكومة تستهدف طروحات كبيرة ومتلاحقة، بينما ما زالت ملفات التقييم العادل وإعادة الهيكلة والحوكمة محل عمل ومراجعة.
إصلاح الشركات أولا لا بيعها وهي مترنحة
جوهر الاعتراض هنا واضح، لا أحد يجادل في أن دخول البورصة قد يرفع الشفافية ويجذب استثمارات ويخلق سوقا أوسع للملكية، لكن طرح شركات تعاني ضعف الربحية أو ارتباك القوائم أو تشوهات الإدارة يعني عمليا تقديمها للسوق وهي في أضعف حالاتها، ثم مطالبة المستثمر بأن يدفع سعرا عادلا في شركة لم تستكمل إصلاحها. مدحت نافع كتب بوضوح في فبراير 2026 أن إعادة الهيكلة الحقيقية لا تبدأ ببيع الأصل، بل بتحويل الشركات القابضة إلى كيانات متخصصة في إدارة الأصول، وتوحيد الأطر القانونية، ومعالجة التشوهات التي تمنع الإدارة الاقتصادية الرشيدة. هذا الكلام يضرب في قلب الفكرة الرسمية المبسطة التي تختزل الإصلاح في الطرح نفسه، بينما الإصلاح الحقيقي يسبق الطرح ولا يأتي بعده.
الفكرة نفسها تتقاطع مع ما تقوله المؤسسات الدولية عن الاقتصاد المصري، فصندوق النقد الدولي اعتبر في مشاورات 2025 أن نموذج النمو الذي تقوده الدولة خلال السنوات الماضية خلق تشوهات في تخصيص الموارد وأضعف قدرة الاقتصاد على توليد فرص كافية وعلى امتصاص الصدمات. معنى ذلك أن ملف الشركات المملوكة للدولة لا يحتاج مجرد بيع حصص، بل يحتاج قبل ذلك إلى تصحيح طريقة الإدارة والتسعير والانضباط المالي والقدرة على الإفصاح والربحية. أي طرح يسبق هذه الخطوات يغامر بإضعاف الثقة في البرنامج نفسه، لأنه يرسل للسوق رسالة خطيرة، الدولة تريد السيولة الآن حتى لو باعت كياناتها وهي غير جاهزة، وحتى لو جرى ذلك بأقل من القيمة التي تستحقها فعليا.
محمد الشوادفي، وهو من الأصوات المؤيدة لإعادة تشغيل الأصول غير المستغلة، قال في فبراير 2026 إن هيكلة الشركات الحكومية هي التي تمنح البورصة زخما وتجذب الاستثمارات، لا مجرد نقلها من يد إلى يد. أهمية هذا الرأي أنه يفصل بين الطرح كوسيلة لتحسين الكفاءة، والطرح كعملية مالية تستهدف جمع أموال بسرعة. الأولى قد تخدم الاقتصاد، أما الثانية فقد تخدم الخزانة مؤقتا لكنها تترك وراءها شركات أقل تماسكا وسوقا أكثر شكا في جدية الإصلاح. هنا يصبح التريث ليس رفاهية بيروقراطية، بل شرطا لحماية أصل عام من أن يباع تحت عنوان التطوير بينما هو في الحقيقة يباع قبل أن يتعافى.
التقييم العادل ليس تفصيلا فنيا بل معركة على ثمن الأصول
أخطر ما في الملف ليس فقط فكرة البيع، بل كيف يحدد السعر ومن يراجعه وعلى أي أساس. ولهذا بدا لافتا أن الحكومة شكلت في مارس 2026 لجنة لمراجعة الأسس التي أعدت على أساسها دراسات القيمة العادلة للشركات المملوكة للدولة أو التي تساهم فيها. مجرد تشكيل هذه اللجنة الآن يكشف أن ملف التقييم لم يكن محل حسم كامل، وأن السوق مقبل على طروحات في لحظة ما تزال فيها الدولة نفسها تعيد فحص الطريقة التي حسبت بها قيمة بعض أصولها. هذا ليس تفصيلا فنيا صغيرا، بل جوهر القضية كلها، لأن أي تقييم منخفض تحت ضغط الحاجة أو الاستعجال يساوي ببساطة بيعا بخسارة مقننة.
هاني توفيق، الخبير المالي والاقتصادي، قال في يونيو 2024 إن استعادة الثقة في السياسات الاقتصادية ضرورة، وإن على الدولة الانسحاب من الأنشطة التي تنافس القطاع الخاص. هذا الرأي لا يبرر الطرح بأي ثمن، بل يضع له شرطا ضمنيا واضحا، أن يكون الانسحاب منظما وشفافا ومبنيا على أولويات اقتصادية لا على ضغوط مالية لحظية. فالانسحاب غير المنظم يخلق العكس تماما، يهز الثقة، ويحوّل الخصخصة إلى ملف سياسي ملتهب، لأن الناس لا ترى فيه إصلاحا بل ترى فيه تنازلا سريعا عن أصول بنتها الدولة عبر عقود ثم تطرحها في لحظة اضطراب بحثا عن سيولة عاجلة.
حتى من زاوية السوق البحتة، لا توجد رفاهية للخطأ. حسام الغايش، العضو المنتدب لإحدى شركات إدارة المحافظ والصناديق، قال في سبتمبر 2025 إن السوق المصرية قادرة على استيعاب الطروحات الحكومية المقررة خلال 2026. لكن قدرة السوق على الاستيعاب لا تعني أن كل طرح سيكون ناجحا أو عادلا، ولا تعني أن كل شركة مطروحة وصلت إلى مستوى الجاهزية نفسه. الفارق كبير بين سوق متعطش لأوراق جديدة، وبين شركة تستحق سعرا قويا وتحظى بإقبال حقيقي ومستدام. والخلط بين الأمرين يفتح الباب لصفقات تمر شكلا وتفشل مضمونا، فتتحول الطروحات إلى رقم في تقرير حكومي لا إلى قيمة مضافة للاقتصاد.
لهذا تبدو المسألة أبعد من نقاش فني عن البورصة والحوكمة، إنها معركة على تعريف الإصلاح نفسه، هل الإصلاح أن تبيع الدولة بسرعة لتسد فجوة سيولة، أم أن تصلح الأصل أولا ثم تطرحه من موقع قوة وبسعر عادل وتحت رقابة صارمة. في السوق المصرية الحالية، ومع تسارع البرنامج وعودة الحديث عن أكثر من 10 شركات وطروحات تستهدف مليارات الدولارات، يصبح الخطر حقيقيا لا نظريا، أن تدفع البلاد ثمن الاستعجال مرتين، مرة حين تباع الأصول بأقل من قيمتها، ومرة حين ينهار ما تبقى من الثقة في برنامج يفترض أنه إصلاح اقتصادي فإذا به يبدو في نظر كثيرين مجرد بيع تحت الضغط.

