يدخل عيد الفطر على المصريين هذا العام مثقلًا بفاتورة معيشية تتسع كل أسبوع، لا بوعود فرح تتسع لكل بيت. الأسواق مزدحمة بالأجساد وخاوية من الشراء. والناس تسأل أكثر مما تشتري. هذا ليس تبدلًا عابرًا في مزاج المستهلك. بل انعكاس مباشر لموجة غلاء ما زالت تضرب الغذاء والملابس والخدمات، بينما أظهرت بيانات رسمية صادرة في 10 مارس أن التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن صعد إلى 13.4% في فبراير 2026 مقابل 11.9% في يناير، مع زيادة شهرية بلغت 2.8% للحضر و2.7% لإجمالي الجمهورية.
أسواق مزدحمة وشراء مؤجل
في الشوارع التجارية والأسواق الشعبية يظهر الزحام بوضوح، لكن الصناديق لا تعكسه. كثير من الأسر تدور بين المحال وتقارن الأسعار ثم تنسحب. مشهد المعاينة حل محل الشراء. ومشهد السؤال عن السعر صار بديلًا عن قرار الشراء نفسه. هذا التحول ليس انطباعًا صحفيًا فقط، بل يتسق مع صعود الأسعار في توقيت يزداد فيه الطلب الموسمي على الغذاء والسلع المرتبطة برمضان والعيد. خبير الاستثمار أحمد ناشي ربط بالفعل ارتفاع تضخم فبراير بزيادة أسعار الأغذية والمشروبات مع رمضان، وتوقع استمرار الضغط خلال مارس مع تأثيرات الوقود على كلفة السلع والخدمات.
أول ما سقط تحت المقصلة كان كسوة العيد. الطقس الذي كان شبه مقدس في بيوت كثيرة لم يعد مضمونًا. أسرة لديها طفلان أو 3 لم تعد تفكر في طقم كامل لكل طفل. التفكير الآن في قطعة واحدة. أو تأجيل جزء من الشراء. أو الاكتفاء بوعد مؤجل بعد العيد. هكذا تتحول مناسبة مرتبطة بفرحة الصغار إلى مفاوضة قاسية بين دخل ثابت وسوق منفلت. وحين تضطر الأسرة إلى خفض بند يخص الأطفال أولًا، فهذه ليست مرونة استهلاكية. هذه علامة ضغط حقيقي يطال قلب البيت المصري.
كسوة العيد تسقط أولًا
الضغط على بند الملابس لا ينفصل عن الصورة الاقتصادية الأوسع. الخبير الاقتصادي مدحت نافع لخص المعضلة بوضوح حين قال إن هناك مؤشرات كلية قد تبدو أفضل، لكن الأعطاب الهيكلية لا تزال تضغط على الاستدامة، وحين نشر لاحقًا أرقامًا توضح أن الجنيه فقد نحو 771% من قوته الشرائية أمام الدولار منذ 2010، كان ذلك تفسيرًا مباشرًا للفجوة بين خطاب التحسن وشعور الناس في الشارع. المواطن لا يقرأ المؤشرات عبر التقارير. يقرأها في سعر القميص وسعر الحذاء وسعر المواصلات إلى بيت العائلة.
لهذا لم تعد الأزمة تقف عند حدود الملابس. موائد العيد نفسها دخلت نطاق التقشف. الكعك والبسكويت والحلوى التي كانت جزءًا ثابتًا من المزاج الاجتماعي صارت بندًا تفاوضيًا داخل البيوت. بعض الأسر يخفض الكميات. أخرى تلجأ إلى أنواع أقل كلفة. وثالثة تشطب البند كله إذا تعارض مع احتياجات أكثر إلحاحًا. وعندما تُضاف إلى ذلك كلفة الزيارات العائلية والتنقل بين المحافظات والأحياء، يصبح العيد موسم حسابات دقيقة لا موسم انفراج. حتى الخروج للتنزه نفسه صار عند قطاعات واسعة رفاهية مؤجلة أو مختصرة إلى الحد الأدنى.
العيد مرآة أزمة لا مناسبة عابرة
ما يجري في عيد الفطر يتجاوز مناسبة موسمية. العيد هنا يكشف حجم التآكل الذي أصاب القدرة الشرائية، ويكشف أيضًا كيف أعاد الغلاء ترتيب الأولويات داخل الأسرة المصرية. لم تعد المقارنة بين سلعتين. بل بين فرحة مؤقتة واحتياج أساسي. بين زيارة رحم وكلفة انتقال. بين كعك العيد وفاتورة منزل. هذه ليست مبالغة. بل النتيجة الطبيعية لسوق تضغط فيه الأسعار على الطبقات الفقيرة والوسطى معًا، بينما يواصل المستهلك البحث عن البديل الأرخص وتوسيع مساحة التنازل في تفاصيل كانت حتى وقت قريب جزءًا من الروتين الاجتماعي المستقر.
وفي هذا السياق تبدو الدعوات إلى الحماية الاجتماعية أقرب إلى اعتراف رسمي وغير رسمي بأن السوق وحده لا يترك للأسر مساحة كافية لالتقاط الأنفاس. الدكتور عبد المنعم السيد قال قبل رمضان إن الحزمة الاجتماعية ضرورية لمساندة الفئات الأولى بالرعاية وتعزيز القدرة الشرائية. أهمية هذا الرأي لا تكمن في الدعوة ذاتها فقط، بل في دلالتها. حين يصبح دعم القدرة الشرائية ملفًا عاجلًا قبل الموسم، فهذا يعني أن الدخول القائمة لم تعد قادرة على حمل الأعباء المعتادة، فضلًا عن أعباء العيد الاستثنائية.
لهذا يدخل ملايين المصريين عيد الفطر هذا العام بأمنيات أكبر من قدرتهم على الشراء. لا لأنهم تخلوا عن طقوس العيد بإرادتهم، بل لأن السوق يدفعهم دفعًا إلى ذلك. الفرحة لم تختف تمامًا، لكنها انكمشت. تحولت من احتفال كامل إلى حد أدنى من الطقوس. ومن شراء مريح إلى شراء دفاعي. ومن موسم بهجة إلى اختبار جديد للقدرة على الصمود. وفي بلد يتجاوز عدد سكانه 100 مليون، لا يبدو هذا مجرد أثر جانبي لأزمة اقتصادية، بل مشهدًا اجتماعيًا كاملًا يقول إن العيد نفسه صار واحدًا من أوضح الأدلة على عمق الضغط المعيشي الذي يطارد البيوت المصرية.

