يضغط السوق العقاري المصري الآن تحت عبء مزدوج. كلفة البناء ترتفع. والقدرة الشرائية للمستهلك المحلي تتراجع بوضوح. جاء ذلك بعد هبوط الجنيه أمام الدولار، ثم الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود والغاز، التي رفعت البنزين والسولار بقيمة 3 جنيهات للتر، وصعدت معها تكلفة النقل والتشغيل ومدخلات التنفيذ. وفي الخلفية، ارتفع معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 12.7% في فبراير مقابل 11.2% في يناير، بحسب بيانات البنك المركزي. النتيجة المباشرة كانت سوقًا مرتبكة، ومطورين أكثر حذرًا، ومشترين أبعد عن الشراء من أي وقت قريب.
الأسعار تحت الضغط.. لكن السوق لا يحتمل صدمة جديدة
الانقسام داخل السوق لم يعد خفيًا. بعض كبار المطورين يتحدث عن زيادات محدودة ومدروسة، في حدود 2% إلى 3%، حتى لا تتوقف المبيعات بالكامل. في المقابل، يرى آخرون أن السوق المحلي لم يعد قادرًا أصلًا على استقبال أي موجة تسعير جديدة، لأن القوة الشرائية تآكلت، وخطط السداد الطويلة لم تعد تكفي وحدها لإنقاذ الطلب. هذا الانقسام يعكس مأزقًا حقيقيًا، لا خلافًا نظريًا بين شركات.
محمد البستاني، رئيس جمعية مطوري القاهرة الجديدة ورئيس مجلس إدارة Association of Real Estate Developers، قال إن السوق دخل 2026 بدرجة أعلى من النضج، لكنه أقر أيضًا بأن 2025 كان عامًا ضاغطًا بسبب ارتفاع تكاليف البناء وتقلب أسعار الخامات. وأضاف تقرير الجمعية أن الطلب ما زال قائمًا، لكنه يتحرك بصورة أكثر انتقائية، مع صعود واضح في الطلب على الوحدات المتوسطة والأصغر، واتجاه الشركات إلى مرونة أكبر في أنظمة السداد والمنتج نفسه.
المعضلة أن المطور لا يملك رفاهية التجميد الكامل للأسعار، ولا يملك في الوقت نفسه مساحة لرفعها بعنف. أسعار مواد البناء مرتبطة بدرجة كبيرة بالاستيراد وبحركة الأسواق العالمية. ومع كل زيادة في الوقود، تتسع فاتورة النقل والتشغيل. ومع كل صعود جديد في التضخم، يصبح المشتري المحلي أضعف. هنا لا تبدو الزيادات السعرية حلًا سهلًا. تبدو أقرب إلى مخاطرة قد تدفع السوق إلى ركود أعمق، خصوصًا في الشريحة السكنية التي تعتمد أساسًا على الطلب المحلي.
تكلفة التنفيذ ترتفع.. والمطورون يعيدون تشكيل المنتج
الضغط الأكبر يأتي من كلفة التنفيذ. الزيادة التي أقرتها الحكومة في 10 مارس رفعت أسعار البنزين بأنواعه إلى 20.75 و22.25 و24 جنيهًا للتر، كما صعد السولار إلى 20.5 جنيهًا، وارتفع الغاز الطبيعي للسيارات إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب. هذه ليست أرقامًا تخص محطات الوقود فقط. هذه أرقام تنتقل سريعًا إلى النقل، واللوجستيات، والمقاولات، وخدمات الموقع، وكلها عناصر تضغط مباشرة على سعر الوحدة النهائية.
أحمد أمين مسعود، نائب رئيس arD، قال إن أسعار الوحدات السكنية كانت قد ارتفعت بالفعل بين 20% و30% خلال 2025 مقارنة بنهاية 2024، خاصة في القاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية والمقاصد الساحلية. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الجمعية تتوقع نموًا أكثر اعتدالًا في 2026، بين 8% و12%، مع تركيز أكبر على الوحدات الصغيرة والمتوسطة. هذا التقدير يكشف أن السوق لا يتجه إلى انفجار سعري جديد، بل إلى تسعير دفاعي يحاول حماية المبيعات قبل أي شيء.
في هذا السياق، شرح نجيب ساويرس، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة Ora Developers، أن المطورين اضطروا إلى تغيير المنتج نفسه، لا السعر فقط. قال بوضوح إن الشركات باتت تقلص مساحات الوحدات السكنية حتى تظل في متناول شريحة أوسع من المشترين، وإن هذا التحول جاء استجابة مباشرة لتراجع القدرة الشرائية. المعنى هنا واضح: السوق لم يعد يتحمل الوحدة الكبيرة، حتى لو ظل الطلب قائمًا على السكن أو التحوط العقاري.
هذا التحول نحو وحدات أصغر وأقل تكلفة لم يعد مجرد اتجاه تسويقي. صار ضرورة تشغيلية. الشركات تحاول الحفاظ على دورة البيع، وتخفيف أثر التضخم، وتقديم منتج يمكن تسويقه في سوق ينكمش فيه الدخل الحقيقي للمواطن. لذلك فإن المساحات تتراجع، والمرونة تزيد، لكن من دون قفزات سعرية واسعة قد تُفقد المطور ما تبقى من مشترين محليين.
الخليج كطوق نجاة.. لكن الرهان الخارجي لا يلغي أزمة الداخل
أمام هذا الضعف المحلي، يتجه جزء من السوق إلى الخارج. بعض المطورين يراهن على المستثمر الخليجي والأجنبي، مستفيدًا من تراجع قيمة الجنيه مقارنة بالأسواق الإقليمية، ومن جاذبية العقار المصري كأصل أرخص نسبيًا بالدولار. هذا الرهان ليس جديدًا، لكنه يتسع الآن مع تباطؤ المبيعات المحلية، ومع بحث مستثمرين إقليميين عن فرص تحوط وملاذات استثمارية في سوق لا تزال تقدم أسعار دخول أقل من أسواق خليجية كثيرة.
لكن هذا الرهان له حدوده. الطلب الخليجي قد يخفف الضغط. وقد ينعش بعض المشروعات، خاصة في الساحل والشريحة الأعلى سعرًا. لكنه لا يحل أزمة السوق المحلية التي تقوم في جوهرها على المشتري المصري. السوق لا يمكن أن يعيش طويلًا على المشترين الخارجيين فقط، بينما يتراجع الطلب المحلي تحت وطأة التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة. لذلك يبدو المشهد الحالي أقرب إلى إعادة تموضع اضطرارية: تسعير حذر، وحدات أصغر، وخطط سداد أطول، مع انتظار سيولة خليجية قد تمنع التباطؤ من التحول إلى شلل كامل.
المحصلة أن القطاع العقاري لا ينهار، لكنه يفقد توازنه القديم. السوق ما زال يتحرك، لكن على أرض رخوة. المطورون يناورون بين تضخم لا يهدأ ومستهلك محلي أنهكه الغلاء. والخليج يظل فرصة، لا حلًا سحريًا. في هذه اللحظة، لا يبدو السؤال الحقيقي: هل ترتفع الأسعار؟ السؤال الأدق هو: من سيبقى قادرًا على الشراء أصلًا؟

