يضع خطاب قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي الأخير ملف القروض في قلب الجدل العام، لا لأنه كشف جديداً، بل لأنه صدر بعد سنوات من التوسع في الاقتراض الخارجي، وفي لحظة تواجه فيها الدولة التزامات ثقيلة خلال 2026.

ففي إفطار الأسرة المصرية يوم 13 مارس قال السيسي إن الاستمرار في الاقتراض بالعملة الصعبة "ليس من المنطقي ولا من العدل"، وإن هذا المسار يقود إلى دائرة مفرغة من تراكم الديون، مع تبريره رفع أسعار المنتجات البترولية باعتباره أقل الخيارات كلفة على المواطنين.

لكن الأزمة أن هذا الكلام يأتي بينما لا تزال القاهرة تعتمد على تمويلات خارجية جديدة لتغطية احتياجاتها التمويلية.

 

يكشف التناقض بين الخطاب والواقع جوهر الأزمة الاقتصادية الحالية.

فمصر مطالبة، بحسب بيانات منشورة عن جدول الاستحقاقات، بسداد نحو 50.83 مليار دولار من الديون الخارجية حتى نهاية سبتمبر 2026، بينما حصلت في 25 فبراير على تمويل جديد بنحو 2.3 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، بعد أيام من حصولها على مليار يورو من الاتحاد الأوروبي في يناير.

هنا لا يعود السؤال: هل الاقتراض خطر؟ بل لماذا استمر هذا النهج طوال السنوات الماضية، ثم يُطرح الآن كأنه اكتشاف متأخر بعد أن انتقلت كلفة الدين والوقود والأسعار إلى موائد المصريين.

 

خطاب متأخر أمام واقع مثقل

 

لا تبدو المشكلة في العبارة نفسها، بل في توقيتها.

السيسي يقول الآن إن الاقتراض بالعملة الصعبة لتغطية الاحتياجات لم يعد منطقياً ولا عادلاً، مع أن هذا المسار كان عنواناً ثابتاً لإدارة الاقتصاد طوال سنوات، وانتهى إلى جدول سداد ضاغط وتمويلات متتالية من المؤسسات الدولية.

لذلك تلقفت قطاعات من الرأي العام الكلمة باعتبارها محاولة لتبرير موجة جديدة من الإجراءات القاسية، لا مراجعة حقيقية لمسار سابق.

 

وكتب حساب "صدى مصر" تعليقاً ساخراً على تصريحات السيسي، معتبراً أن الحديث عن رفض الاقتراض يأتي بعد استنفاد هذا المسار وغرق البلد في الديون، وأن الخطاب محاولة للبحث عن مخرج سياسي بعد انكشاف الكلفة على الناس.

 

 

وفي الاتجاه نفسه، قال السياسي أحمد لطفي إن أصواتاً كثيرة حذرت طوال 10 سنوات من التوسع في الاقتراض، وطالبت بقصره على مشروعات تدر عائداً واضحاً وتسدد نفسها، أو تأجيل المشروعات غير الضرورية، لكن أحداً لم يستمع.

 

 

هذا المعنى يقترب مما يطرحه الخبير الاقتصادي وائل النحاس، الذي يرى أن أرقام 2026 تضم التزامات كبيرة بينها ودائع وعملات قابلة للتبادل، لكنه يشير أيضاً إلى سوء إدارة الدين وخطر خروج بعض الأموال الساخنة، بما يجعل المشكلة أعمق من مجرد رقم مستحق في سنة واحدة.

أي أن الأزمة ليست في حجم السداد فقط، بل في بنية السياسات التي جعلت الاقتصاد معلقاً بين الاستدانة وتجديد الودائع والبحث الدائم عن سيولة جديدة.

 

تمويل جديد وأولويات محل غضب

 

المفارقة أن خطاب التحذير من القروض تزامن مع وقائع تؤكد استمرار الاعتماد عليها. فصندوق النقد الدولي أعلن في 25 فبراير إكمال المراجعتين الخامسة والسادسة لمصر، بما يفتح صرف نحو 2.3 مليار دولار، بينما قالت المفوضية الأوروبية

 

في 14 يناير إنها صرفت مليار يورو كمساعدة مالية كلية لمصر لتغطية جزء من احتياجاتها التمويلية ودعم الاستقرار الاقتصادي. هذا يعني أن الدولة لم تخرج بعد من منطق الاقتراض، بل ما زالت تحتاجه لإدارة الضغط المالي القائم.

 

ومن هنا جاء تعليق شبكة "رصد"، التي رأت تناقضاً بين كلام السيسي عن وقف الاقتراض وبين واقع التزامات 2026، مشيرة إلى رقم 50.8 مليار دولار، وإلى حصول القاهرة على الشريحة الجديدة من صندوق النقد ودفعة القرض الأوروبي.

 

 

الاعتراض لم يتوقف عند الأرقام، بل امتد إلى أولويات الإنفاق نفسها. وتهكم حساب باسم "مارك" على مشهد الطائرات والقصور والمقار الرسمية والبرج الأيقوني، باعتبارها شواهد على إنفاق لا ينسجم مع خطاب التقشف الذي يطلب من المواطن تحمله.

 

 

كما سخرت الناشطة رانيا الخطيب من منطق الاقتراض "للضرورة"، معتبرة أن تعريف الضرورة في التجربة المصرية اتسع ليشمل برجاً أيقونياً ومونوريل وطائرة كبيرة، بينما يُطلب من الناس تحمل آثار الغلاء.

 

 

وفي الخلفية نفسها، حذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق في وقت سابق من "فقاعة الديون" في مصر، معتبراً أنها تهدد الاستقرار المالي، وهو تحذير يكتسب وزناً أكبر كلما زادت كلفة خدمة الدين على الموازنة وعلى حياة المواطنين. وحين تتسع فجوة الثقة بين خطاب السلطة ومسار الأرقام، تصبح أي مطالبة شعبية بمراجعة الأولويات مطالبة طبيعية وليست مزايدة سياسية.

 

غضب اجتماعي وأسئلة عن البديل

 

لم يأت الغضب من فراغ. فرفع أسعار الوقود والسلع يزيد من شعور الناس بأنهم يسددون فاتورة خيارات لم يشاركوا في صنعها، بينما تُقدَّم لهم الآن باعتبارها "أقل ضرراً". وفي هذا السياق كتب جابر أن الكلام جاء متأخراً 12 سنة، بعدما "وقعت الفاس في الراس"، منتقداً استخدام صيغة "إحنا" في لحظة الغرق الجماعي، رغم أن قرارات الاقتراض لم تكن قراراً شعبياً.

 

 

ونشر عمر الفتيري العبارة الأساسية كما هي، في إشارة إلى أن الجملة نفسها صارت محوراً للسخرية والنقاش العام.

 

 

بينما ذهب المستشار أحمد عبدالعزيز إلى تعليق أكثر حدة، ربط فيه بين وقف الاقتراض وبين ما يراه توسعاً في تحميل المواطنين أعباء مالية بوسائل أخرى.

 

 

أما حزب "تكنوقراط مصر" فركز على نقطة سياسية واضحة: السيسي تحدث عن خطورة الاقتراض من دون أن يسمّي من قاد هذا المسار أصلاً، وربط الحزب بين هذا الخطاب وبين المشاعر السلبية الناجمة عن رفع أسعار المنتجات البترولية ومراقبة الأسواق.

 

 

وفي مقابل هذا الجدل، قدم رجل الأعمال نجيب ساويرس اقتراحاً مختلفاً، إذ قال إن الحل سهل ويتمثل في الطاقة المتجددة، "الشمس والرياح وعندنا الاثنين"، وهو رأي يفتح باب النقاش حول بدائل تخفف فاتورة الطاقة والعملة الصعبة بدلاً من الاكتفاء بنقل الكلفة إلى المواطن.

 

 

المحصلة أن الأزمة لم تعد أزمة ديون فقط، بل أزمة ثقة ومحاسبة وأولويات. فحين يخرج رأس السلطة ليهاجم نهجاً استُخدم لسنوات تحت إشراف الدولة نفسها، بينما تستمر الحاجة إلى قروض جديدة ويواجه المواطن الغلاء وحده، يصبح السؤال الذي يفرض نفسه: من اتخذ القرار، ومن دفع الكلفة، ومن سيحاسَب على المسار كله؟