كشفت وزارة الصحة اللبنانية أن حصيلة ضحايا الغارات الإسرائيلية التي بدأت يوم الإثنين 2 مارس 2026 ارتفعت إلى 486 شهيدًا و1313 جريحًا، فيما تؤكد تقارير دولية متقاطعة أن عدد القتلى تجاوز 480 مع اتساع الضربات الإسرائيلية في بيروت والجنوب والبقاع، وتجاوز عدد النازحين 500 ألف شخص خلال أيام قليلة.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم العدوان، بل تكشف أيضًا فشل الدولة اللبنانية في حماية المدنيين، وعجز المجتمع الدولي عن كبح إسرائيل، بينما يُترك بلد منهك أصلًا اقتصاديًا ومؤسسيًا ليدفع ثمن حرب لا يملك قرارها.
الرئيس اللبناني جوزيف عون أعلن استعداده للانخراط في مفاوضات مع إسرائيل بهدف خفض التصعيد، ونُقل في تقارير منشورة أنه طلب وساطة أمريكية لدفع محادثات مباشرة أو ترتيبات توقف النار. لكن هذا الاستعداد لا يبدو حتى الآن تعبيرًا عن قوة تفاوضية، بقدر ما يبدو اعترافًا بأن لبنان الرسمي لا يملك أدوات ردع حقيقية، وأن أقصى ما يستطيع فعله هو طلب وقف القصف بعد أن صار البلد ساحة مفتوحة لغارات إسرائيلية واشتباك إقليمي أكبر.
غارات واسعة وحصيلة دامية تكشف طبيعة الهجوم
منذ 2 مارس، توسعت العمليات الإسرائيلية في لبنان بعد صواريخ أُطلقت من الجنوب باتجاه إسرائيل وتبنى حزب الله مسؤوليتها. الأمم المتحدة قالت إن التصعيد بدأ في سياق الحرب الإقليمية الأوسع، ثم تحول سريعًا إلى عمليات إسرائيلية واسعة النطاق عبر لبنان، ترافقت مع أوامر إخلاء جماعية وضربات جوية طالت مناطق مأهولة شمال وجنوب الليطاني، بل وأحياء واسعة من ضاحية بيروت الجنوبية. وفي 9 مارس تحدثت تقارير دولية عن استمرار القصف مع ارتفاع عدد القتلى في لبنان إلى ما فوق 480 وتوسع النزوح الداخلي إلى مستويات خطيرة.
الوقائع الميدانية لم تقتصر على الغارات الجوية. الجيش الإسرائيلي أعلن أن قوات من الفرقة 36 بدأت “مداهمات مركزة” في جنوب لبنان، وقال إن العملية استهدفت عناصر وبنى تحتية تابعة لحزب الله. وكالة AP نقلت أيضًا أن القوات الإسرائيلية وسعت هجماتها على الذراع المالية للحزب في بيروت، بالتوازي مع عمليات برية موضعية جنوبًا. هذا يعني أن ما يجري ليس ردًا جويًا محدودًا، بل حملة مركبة تستخدم الجو والبر معًا لفرض وقائع جديدة داخل لبنان.
الكاتب والمحلل مايكل يونغ من مركز كارنيغي يرى أن إسرائيل لا تستهدف فقط تقليص نشاط حزب الله أو دفعه إلى التراجع، بل تسعى إلى ما هو أبعد: فرض تفكيك كامل للحزب وتجريده من دوره العسكري والسياسي بالقوة والضغط. ويعتبر أن إسرائيل تريد دفع الدولة اللبنانية إلى تنفيذ ما لا تستطيع تنفيذه وحدها، أي نقل الصدام من حدود الجنوب إلى بنية النظام اللبناني نفسه. هذا التقدير مهم، لأنه يفسر لماذا تبدو الضربات أوسع من مجرد رد على صواريخ أو ملاحقة خلايا مسلحة.
عون يطلب التفاوض بينما الدولة تتآكل تحت النار
إعلان جوزيف عون الاستعداد لاستئناف المفاوضات ومناقشة القضايا الأمنية جاء خلال اتصالات ولقاءات دبلوماسية، وفي ظل محاولة لبنانية واضحة لوقف الانحدار نحو حرب أشمل. لكن هذا المسار يصطدم بواقع أكثر قسوة: إسرائيل تصعّد ميدانيًا، وحزب الله يواصل الرد، والدولة اللبنانية نفسها منقسمة وعاجزة عن فرض قرار سيادي كامل على الأرض. AP نقلت أن الحكومة اللبنانية اعتبرت الأنشطة العسكرية لحزب الله غير قانونية، وأوقفت عناصر من الحزب ثم أُطلق سراحهم لاحقًا بكفالة، بما يعكس ارتباكًا أكثر من كونه سياسة حاسمة.
المفارقة أن لبنان الرسمي يتحرك دبلوماسيًا بعد أن أصبح البلد في قلب الحرب، لا قبلها. والمشكلة ليست فقط في قوة إسرائيل العسكرية، بل في أن الدولة اللبنانية نفسها لا تملك القدرة على منع حزب الله من إشعال الجبهة ولا القدرة على صدّ إسرائيل حين ترد بعنف مفرط. تقرير Mercy Corps Lebanon وصف ما يجري بأنه سحب لبنان إلى الصراع الإقليمي المتسارع، محذرًا من أن السيناريوهات المقبلة تحمل آثارًا أمنية وإنسانية واقتصادية شديدة القسوة إذا طال أمد التصعيد أكثر من أسابيع قليلة.
الخبيرة مها يحيى، مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، عادت خلال الأيام الأخيرة للحديث عن لبنان بوصفه الحلقة الأضعف في هذا الاشتباك الإقليمي، حيث تُفرض عليه نتائج الحرب أكثر مما يصنعها. ورغم أن حضورها الإعلامي الأخير ركز على إمكانات التهدئة، فإن المعنى الأوضح في مقاربتها هو أن لبنان لا يدخل أي مفاوضات من موقع متماسك، بل من موقع بلد فقد تدريجيًا قدرته على التحكم في حدوده وقراره الأمني والاقتصادي.
بين القصف والذخائر المحرمة.. المدنيون يدفعون الثمن كاملًا
المشهد لا يقف عند عدد الشهداء والجرحى فقط. Human Rights Watch قالت إن إسرائيل استخدمت بشكل غير قانوني قذائف الفوسفور الأبيض فوق منازل في بلدة يحمر الجنوبية يوم 3 مارس، بعد التحقق من صور ومقاطع موثقة جغرافيًا. المنظمة رأت أن استخدام هذه الذخائر فوق مناطق سكنية يهدد المدنيين مباشرة ويخالف قواعد القانون الدولي الإنساني عندما يقع في بيئات مأهولة. هذه ليست مسألة تقنية أو تفصيلة حقوقية. هذه مسألة تكشف طبيعة الحرب التي تُدار في لبنان: ضغط بالنار والحرق والتهجير، لا فقط بالقصف التقليدي.
الباحث رمزي قعيس من هيومن رايتس ووتش وصف استخدام الفوسفور الأبيض فوق المناطق السكنية بأنه “مقلق للغاية” وأن له عواقب خطيرة على المدنيين. هذه الشهادة بالذات تضع إسرائيل أمام اتهام يتجاوز خطاب “استهداف البنية التحتية للحزب”، لأن السلاح المستخدم وطبيعة المكان المستهدف يشيران إلى أن المدنيين ليسوا مجرد أضرار جانبية في هذه الحملة، بل طرفًا يدفع كلفة سياسة القصف الواسع والإخلاء القسري.
الخلاصة أن لبنان لا يواجه فقط جولة عسكرية جديدة، بل يواجه اختبارًا قاسيًا لبقايا الدولة فيه. 486 شهيدًا و1313 جريحًا ليست مجرد حصيلة أولية لعدوان إسرائيلي. إنها رقم يكشف بلدًا يُقصف من الجو، ويُخترق برًا، ويُدفع إلى التفاوض من موقع الضعف، فيما سلطته الرسمية تتحرك بعد الكارثة لا قبلها. إسرائيل تمضي نحو أهداف أبعد من الردع. وحزب الله يصر على إبقاء الجبهة مشتعلة. وبين الطرفين، يُترك اللبنانيون مرة أخرى ليدفعوا الثمن بالأجساد والبيوت والنزوح والخراب.

