كشفَ سوق الغذاء في مصر، يوم الإثنين 9/3/2026، أن الحكومة لا تدير الأسعار بقدر ما تكتفي بمراقبة انفلاتها من بعيد. أسعار اللحوم الحمراء بدت متباينة بين صعود الكندوز والبتلو وتراجع الضأن وبتلو بعظم، بينما واصل البانيه قفزة حادة أوصلته في بعض المناطق إلى 260 – 300 جنيه للكيلو بعد أن كان قرب 170 جنيهًا مع بداية رمضان، في مشهد لا يعبّر عن سوق منظم بل عن سوق تُترك فيه الأسر وحدها أمام جزار وتاجر دواجن ووسيط وكل واحد يضع السعر الذي يريده.
بوابة الأسعار المحلية والعالمية التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء تؤكد أصلًا أن الأسعار تتحرك يوميًا على نطاق واسع في السلع الغذائية، بما فيها اللحوم والدواجن، وهو ما يعكس سوقًا شديد الاضطراب لا تملك الحكومة فيه سوى لغة المتابعة لا الحسم.
لحوم تتأرجح.. والحكومة تترك السوق لمعادلة العرض والطلب وحدها
الأرقام المتداولة اليوم تقول إن الضأن تراجع إلى متوسط 425.68 جنيه للكيلو، بانخفاض يومي وأسبوعي طفيف، بينما ارتفع البتلو إلى متوسط 418.13 جنيه، وصعد الكندوز الكبير إلى 361.18 جنيه، والكندوز إلى 406.18 جنيه، في حين تراجع البتلو بعظم إلى 394.22 جنيه. هذه التحركات لا تبدو في ظاهرها انفجارًا سعريًا كاملًا، لكنها تكشف أمرًا أكثر خطورة: غياب أي معيار ثابت يفهم به المستهلك لماذا ترتفع سلعة اليوم وتنخفض غدًا داخل السوق نفسها، ولماذا يصل الفارق بين المحافظات إلى مستويات كبيرة لا تفسرها فقط تكاليف النقل.
المشكلة أن الحكومة تتعامل مع هذا المشهد كأنه نتيجة طبيعية لقوى السوق، مع أن المواطن لا يعيش داخل كتاب اقتصاد، بل داخل سوق متروك لحلقات تداول غير منضبطة، وتكاليف إنتاج متصاعدة، وغياب واضح لسياسة سعرية أو رقابية فعالة. صحيح أن الأسعار تختلف بحسب النوع والمنطقة، لكن الصحيح أيضًا أن هذا التفاوت الواسع في أصناف أساسية مثل اللحوم يعكس فشلًا في ضبط السوق وليس مجرد مرونة تجارية بريئة. وحين يصبح الحد الأدنى في محافظة والحد الأقصى في أخرى بعيدين بهذا الشكل، فالمسألة لم تعد ذوقًا استهلاكيًا فقط، بل خللًا في الإدارة والتوزيع والمتابعة.
محمد ريحان، عضو شعبة القصابين، قال إن ما يحدث يعكس توازنًا نسبيًا بين المعروض والطلب، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن أثر الحرب على أسعار الأعلاف ثم على أسعار اللحوم لم يظهر كاملًا بعد بسبب وجود مخزون يكفي الأسواق حاليًا، كما أشار إلى أن تكاليف الأعلاف والنقل والرعاية البيطرية تظل عنصرًا رئيسيًا في تشكيل السعر النهائي. هذا الكلام مهم لأنه يعني أن السوق لم يصل بعد إلى ذروة الضغط، وأن الحكومة لا تواجه فقط أسعار اليوم، بل تترك أيضًا الباب مفتوحًا لموجة جديدة إذا ارتفعت كلفة الإنتاج لاحقًا.
هيثم عبد الباسط، رئيس شعبة القصابين، سبق أن قال قبل رمضان إن اللحوم البلدي كانت تدور في نطاق 400 – 450 جنيهًا للكيلو، وإن السوق كان يفترض أن يبقى مستقرًا. لكن ما يظهر الآن أن “الاستقرار” في الخطاب شيء، وما يدفعه المستهلك فعليًا شيء آخر، خصوصًا مع استمرار الضغط على الأعلاف والنقل وتراجع قدرة المواطن على الشراء. الحكومة هنا لا تنجح في خفض السعر، ولا حتى في منح الناس وضوحًا كافيًا حول اتجاهه.
البانيه يشتعل.. والدولة تتفرج على سوق يحدده السماسرة
إذا كانت اللحوم الحمراء تكشف اضطرابًا، فإن البانيه يكشف فوضى كاملة. السعر الذي قفز إلى 260 – 300 جنيه للكيلو في بعض المناطق لا يمكن تفسيره فقط بزيادة الطلب في رمضان أو بتحرك أسعار الفراخ البيضاء، لأن متوسط سعر الدواجن البيضاء نفسه يدور قرب 108.32 جنيه، فيما بلغ البلدي نحو 131.36 جنيه، بحسب الأرقام المتداولة اليوم. الفجوة بين سعر الدجاجة كسلعة أساسية وبين سعر البانيه كجزء منها أصبحت كبيرة إلى درجة تجعل الحديث عن “آلية سوق” مجرد ستار لعشوائية مفتوحة.
سامح السيد، رئيس شعبة الدواجن بغرفة الجيزة، قالها بوضوح: المشكلة ليست في نقص الإنتاج ولا في زيادة تكلفة التربية وحدها، بل في حلقات التداول والسمسرة وغياب آلية منظمة مثل بورصة دواجن تضبط السوق. وسبق له أن تحدث عن هيمنة 35 – 40 سمسارًا على حركة تداول الفراخ البيضاء منذ سنوات، مؤكدًا أن هؤلاء يتحكمون في السوق من دون غطاء قانوني منظم. الأخطر في تصريحه أنه قال إن السعر المنطقي للبانيه، إذا احتُسب على أساس التكاليف الحقيقية، لا يتجاوز 180 جنيهًا، بينما يباع بأعلى بكثير للمستهلك النهائي. هذا ليس فرقًا بسيطًا في هامش الربح. هذا دليل على أن الدولة تترك حلقات الوساطة تلتهم السوق من دون ردع حقيقي.
المفارقة أن الحكومة تكرر منذ سنوات أنها حققت اكتفاءً ذاتيًا من الدواجن وبيض المائدة، لكن المستهلك لا يرى من هذا “الاكتفاء” سوى أسعار أعلى وتفاوت أكبر بين منطقة وأخرى. وما جدوى الوفرة إذا كانت لا تنعكس على السعر النهائي؟ وما معنى الإنتاج المحلي إذا كان الوسيط هو الذي يحدد القيمة الحقيقية للسلعة لا تكلفتها ولا وفرتها؟ هنا يتضح أن المشكلة ليست فقط في كلفة العلف أو النقل، بل في غياب دولة تضبط السوق من المزرعة حتى محل البيع، لا أن تكتفي بتعداد أسباب الأزمة بعد وقوعها.
الرقابة غائبة والمستهلك هو الحلقة الأضعف
المشهد كله يقود إلى النتيجة نفسها: الدولة لا تملك حتى الآن آلية فعالة تمنع انتقال الاضطراب العالمي والمحلي إلى جيب المواطن بأقصى صورة ممكنة. أسعار الطاقة والأعلاف والحرب الإقليمية عوامل ضاغطة بلا شك، لكن غياب الرقابة الفعالة وترك السوق للمحل والوسيط هما ما يحولان هذه الضغوط إلى قفزات غير مبررة في الأسعار. في قطاع الدواجن تحديدًا، دعا سامح السيد إلى شفافية أكبر وآليات واضحة للتسعير وتطبيق قانون بيع الدواجن المبردة، بينما أشار خبراء آخرون في القطاع إلى أن توازن السعر العادل يحتاج إلى سياسة تسعير وضبط تداول لا تترك المربي والمستهلك معًا تحت رحمة الوسطاء.
عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الثروة الداجنة، كان قد أوضح في تصريحات سابقة أن تكلفة الإنتاج نفسها ترتفع مع الوقود والتدفئة ومدخلات التشغيل، ما يعني أن الأزمة ليست تجارية فقط بل إنتاجية أيضًا. لكن هذه الحقيقة لا تبرئ الحكومة، بل تدينها أكثر، لأن دورها في هذه اللحظة ليس ترديد أن السوق معقد، بل بناء آلية تمنع كل حلقة في السلسلة من تحميل المستهلك كامل الكلفة مضافًا إليها هامش فوضوي جديد. وحين يعترف أهل السوق أنفسهم بأن التسعير عشوائي وأن الوسيط يبتلع الفرق، فإن استمرار الوضع يصبح قرارًا سياسيًا بعدم التدخل لا مجرد عجز فني.
وفي النهاية فما يحدث في اللحوم والدواجن اليوم ليس مجرد تذبذب موسمي. إنه صورة لسوق غذاء تُترك فيه الأسرة المصرية لمعادلة قاسية: دخل ثابت أو متآكل، وسلع أساسية تتحرك بلا ضابط واضح، وخطاب رسمي لا يقدم حلًا بقدر ما يكتفي بوصف الأزمة. وبين لحم يتأرجح وبانيه يقترب من 300 جنيه، لا يبدو أن الحكومة تحمي المستهلك، بل تكتفي بمتابعة كيف يُستنزف يومًا بعد يوم.

