ارتبكت خطط الشركات المصرية لتوسيع الصادرات هذا العام مع اتساع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وسط قلق من اضطراب الملاحة الإقليمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

المخاوف لا تتعلق بالأسعار فقط. تتعلق بالوقت. وبقدرة المُصدّر على تسليم الشحنة في موعدها، خصوصًا للأسواق القريبة التي تُعد رئة أساسية للصادرات المصرية.

 

مصدر القلق أن الأسواق المجاورة لمصر ليست هامشًا في الخريطة. هي سوق يومي. الخليج. المشرق. موانئ الترانزيت.

أي إطالة لأمد الحرب تعني فوضى في الجداول. وتعني بضاعة تتأخر. وعميل يعيد التفاوض. أو ينسحب.

ومع كل يوم اضطراب تتضخم فاتورة النقل، وتصبح المنافسة أصعب على المُصدّر الذي يتحرك أصلًا داخل اقتصاد ضاغط.

 

الحاصلات الزراعية.. “الوقت يقتل الشحنة”

 

يرى رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين علي عيسى أن الحرب ستنعكس سريعًا على الصادرات المصرية، وبشكل أشد على الحاصلات الزراعية سريعة التلف.

المشكلة ليست في الإنتاج؛ المشكلة في الشحن.

النقل البحري هو الشريان الأساسي للتجارة، وأي خلل في الملاحة يضرب قدرة المصدر على الوفاء بالتعاقدات، خاصة حين تكون الشحنة مرتبطة بموعد وصول لا يقبل التأخير.

 

يوضح عيسى أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وما يترتب عليه من اتجاه بعض الخطوط إلى مسار رأس الرجاء الصالح ينسف منظومة كانت تخدم المصدر المصري إلى أوروبا.

كانت الشركات تستفيد من حاويات قادمة فارغة من الشرق الأقصى تمر بموانئ مثل السويس وبورسعيد والعين السخنة.

كانت الرسوم أقل. وكان التدفق منتظمًا. الآن عدد السفن أقل. والتكلفة أعلى. وشحنات جاهزة للتصدير تعطلت بالفعل داخل الموانئ أو عند مواقع الإنتاج.

 

يشدد عيسى على أن النقل الجوي لا يُعوّض. السعة لا تكفي. والتكلفة لا تُحتمل.

الطيران يناسب كميات محدودة وعالية القيمة، بينما الموالح والبطاطس والمنتجات المجمدة تحتاج سفنًا تحمل مئات الأطنان في الرحلة الواحدة.

ويضيف أن الأسواق الواقعة في نطاق التوتر تستقبل ما لا يقل عن 30% من إجمالي الصادرات الزراعية المصرية، ما يجعل استمرار الأزمة تهديدًا مباشرًا لعوائد القطاع، قبل أن يكون “خبرًا سياسيًا”.

 

الخليج والصناعة.. فاتورة شحن أعلى وخامات أغلى

 

الارتباك لا يتوقف عند الحاصلات. القطاعات الصناعية تتلقى الضربة من جهتين: كلفة النقل، وكلفة الخامات المستوردة.

رؤساء مجالس تصديرية حذروا من أن الخليج، وهو أهم سوق للصادرات المصرية في مجالات عديدة، سيكون من أكثر المناطق تأثرًا إذا امتد الصراع.

السعودية والإمارات على رأس القائمة في الصناعات الهندسية، وأي تعطل في خطوط الشحن أو تأخر في التسليم يضعف الثقة ويخصم من القدرة التنافسية.

 

المعادلة هنا واضحة وبلا زخرفة. تأخر الشحنة يعني غرامات أو إعادة تفاوض.

ارتفاع الشحن يعني سعر نهائي أعلى. وفي سوق مزدحم بالبدائل، السعر المرتفع يطرد الطلب.

وفي الخلفية، ترتفع أسعار خامات مستوردة، خاصة الواردة من الصين، مع تعقد مسارات النقل وتذبذب المواعيد.

حتى لو أدى ارتفاع الدولار أمام الجنيه إلى دعم الصادرات نظريًا، فالواقع أن كلفة الإنتاج نفسها قد تقفز، ثم تنتقل للداخل في صورة أسعار أعلى على المستهلك.

 

ومع الحديث عن مستهدفات رسمية لزيادة الصادرات، يصبح السؤال سياسيًا بقدر ما هو اقتصادي.

الدولة تقول إنها تريد أرقامًا أكبر.

لكن الحرب تفرض اختبارًا عمليًا: هل لدى الحكومة أدوات سريعة لتخفيف تكاليف الشحن؟ هل لديها خطوط لوجستية بديلة؟ وهل المساندة ستصل في الوقت الذي تُنقذ فيه التعاقدات بدل أن تأتي بعد خسارتها؟

 

ملاحة مشوشة وسلاسل إمداد تتقطع.. والدواء في مرمى التأخير

 

يحذر رئيس جمعية المصدرين المصريين “إكسبولينك” محمد قاسم من حالة “ارتباك شديد” تضرب الملاحة العالمية، مشيرًا إلى أن إغلاق مضيق هرمز دفع شركات شحن لاتخاذ قرارات استباقية بالتحويل إلى مسار رأس الرجاء الصالح.

الأثر لا يقتصر على تراجع إيرادات قناة السويس.

يمتد لتعطيل وصول الإمدادات إلى مصر. حاويات قادمة من الصين توقفت في موانئ دبي بلا جدول واضح لخروجها، ما يعني مواد خام متأخرة، ومصانع تنتظر، وتصدير يتباطأ.

 

قاسم يلفت أيضًا إلى ضربة مباشرة لقطاع الملابس الجاهزة بسبب بطء وصول الخامات المستوردة.

النتيجة تتراكم في النهاية على مواعيد التسليم للعميل الخارجي. كانت بعض الشحنات تصل إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة خلال 11 أو 12 يومًا كحد أقصى.

الآن التوقعات تتحدث عن وصول قد يمتد إلى 30 يومًا مع استمرار الأزمة. هذه ليست أرقامًا عابرة. هذه “مدة” قد تُسقط عقدًا كاملًا في صناعات تعتمد على الموسم.

 

وفي الصناعات الطبية، يعبّر رئيس المجلس التصديري للصناعات الطبية محيي حافظ عن قلق من طول أمد الحرب واضطراب سلاسل الإمداد، مؤكدًا أن التأخير لا يضرب المنتج النهائي فقط. يضرب الخامات الدوائية، والمعدات، وقطع الغيار، ومواد التعبئة والتغليف.

ويضيف أن دول الخليج تستقبل نحو نصف صادرات الدواء المصرية، ما يجعل أي اهتزاز في المنطقة تأثيره مضاعفًا على القطاع.

 

وبينما تتحدث بيانات رسمية عن نمو صادرات مصر غير البترولية إلى 48.6 مليار دولار في 2025 مقابل 41.5 مليارًا في 2024 بنمو 17%، مع طموح للوصول إلى 55 مليارًا، تبدو الحرب اختبارًا قاسيًا للأرقام على الورق.

الأرقام تحتاج سفنًا. تحتاج ممرات آمنة.

وتحتاج قرارًا حكوميًا سريعًا لا يكتفي بالمتابعة، بل يتدخل لحماية موسم التصدير قبل أن يدفع المصدرون ثمن حرب لا يديرونها.