سجلت السوق المصرية موجة خروج جديدة للأموال الأجنبية مع تصاعد الحرب المرتبطة بإيران، في تطور يعكس هشاشة الوضع المالي في البلاد. كشفت شركة الأبحاث “فيتش سوليوشنز” عن خروج ما لا يقل عن 1.8 مليار دولار من
استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية خلال الفترة من 15 فبراير إلى 26 فبراير، مع توقع استمرار التخارج خلال الأسابيع المقبلة. هذه التطورات تعيد طرح سؤال قديم: إلى أي مدى يستطيع الاقتصاد المصري الصمود أمام الصدمات الخارجية في ظل اعتماد واسع على الأموال الساخنة.
التقرير أشار إلى أن الضغوط على الجنيه مرشحة للتصاعد، مع احتمال تجاوز سعر الدولار مستوى 49 جنيهًا بشكل مستدام إذا استمرت وتيرة خروج الاستثمارات. كما لفت إلى أن شهر مارس يمثل ذروة استحقاقات الدين المحلي قصير الأجل هذا العام، مع حلول أجل نحو 18 مليار دولار من أدوات الدين، ما يضع الحكومة أمام اختبار صعب لإعادة جذب المستثمرين أو مواجهة موجة خروج جديدة لرؤوس الأموال.
يرى الخبير الاقتصادي د. فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن الاعتماد الكبير على استثمارات المحافظ الأجنبية يجعل الاقتصاد المصري شديد الحساسية للتوترات العالمية. ويقول إن الأموال الساخنة بطبيعتها تدخل بسرعة وتخرج بسرعة، ما يعني أن أي صدمة جيوسياسية أو مالية قد تؤدي إلى تحركات حادة في سعر الصرف.
الأموال الساخنة تضغط على الجنيه
تشير بيانات فيتش سوليوشنز إلى أن المستثمرين الأجانب يمتلكون نحو 19.3% من رصيد أذون الخزانة المصرية القائمة، باستثناء الالتزامات المشروطة. هذا الحجم الكبير من الملكية الأجنبية يعني أن أي قرار جماعي بالتخارج يمكن أن يؤدي إلى موجة ضغط قوية على العملة المحلية.
وترى الشركة أن احتمال عدم إعادة تدوير هذه الاستثمارات خلال شهر مارس يرفع مخاطر خروج مزيد من رؤوس الأموال. وفي هذه الحالة قد تواجه الحكومة صعوبة في تمويل استحقاقات الدين المحلي دون تقديم عوائد أعلى، وهو ما يزيد تكلفة الاقتراض ويضغط على الموازنة العامة.
يقول الخبير الاقتصادي د. هاني توفيق إن المشكلة الأساسية ليست في خروج الأموال بحد ذاته، بل في الاعتماد المفرط عليها كمصدر تمويل رئيسي. ويضيف أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى تدفقات مستقرة مثل الاستثمار المباشر والصادرات، بدل الاعتماد على الأموال قصيرة الأجل التي تتأثر بسرعة بأي توتر إقليمي أو عالمي.
ويشير توفيق إلى أن تكرار موجات خروج الأموال خلال السنوات الأخيرة يكشف هشاشة نموذج التمويل القائم على الديون قصيرة الأجل، وهو نموذج يجعل سعر الصرف عرضة لتقلبات حادة كلما تغيرت الظروف الدولية.
أزمة الغاز تضيف ضغوطًا جديدة
لم تتوقف التحديات عند حركة رؤوس الأموال فقط. فقد أشار تقرير فيتش سوليوشنز إلى أن تعليق واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب من إسرائيل يضيف ضغطًا جديدًا على الاقتصاد المصري. هذه الإمدادات تمثل ما بين 15% و20% من استهلاك مصر المحلي من الغاز.
الحكومة حاولت تقليل المخاطر عبر التعاقد على أكثر من 100 شحنة من الغاز الطبيعي المسال لتوريدها خلال 2026، كما تسعى لتسريع تسليم هذه الشحنات. لكن التقرير يحذر من أن أي تعطل ممتد في تدفقات الغاز الإسرائيلي سيجبر القاهرة على زيادة الاعتماد على الشحنات الفورية، وهي عادة أعلى تكلفة وأكثر تقلبًا في السعر.
الخبير في اقتصاد الطاقة د. مدحت نافع يقول إن الاعتماد على السوق الفورية للغاز يرفع فاتورة واردات الطاقة بشكل كبير. ويضيف أن هذا الوضع قد يؤدي إلى زيادة عجز الحساب الجاري، خصوصًا إذا تزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا نتيجة التوترات الإقليمية.
كما يشير نافع إلى أن نقص إمدادات الغاز قد ينعكس أيضًا على قطاع الكهرباء والصناعة، لأن جزءًا كبيرًا من إنتاج الكهرباء في مصر يعتمد على الغاز الطبيعي. أي اضطراب طويل في الإمدادات قد يفرض ضغوطًا إضافية على شبكة الطاقة ويؤثر في النشاط الاقتصادي.
ضغوط خارجية متعددة
يحذر التقرير من أن استمرار التصعيد الإقليمي لفترة طويلة قد يضعف الوضع الخارجي لمصر عبر عدة قنوات في الوقت نفسه. ارتفاع أسعار النفط يمثل أحد هذه القنوات، لأنه يزيد تكلفة الواردات النفطية ويضغط على الميزان التجاري.
كما أن قطاع السياحة، أحد أهم مصادر العملة الصعبة، قد يتأثر إذا تصاعد التوتر في المنطقة. عادة ما تؤدي الأزمات الإقليمية إلى تراجع حركة السفر إلى الشرق الأوسط، حتى في الدول التي لا تشارك مباشرة في الصراع.
إضافة إلى ذلك، قد تتأثر إيرادات قناة السويس إذا استمرت اضطرابات الملاحة في المنطقة. القناة تعد مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية، وأي تراجع في حركة السفن العابرة قد يقلص إيراداتها ويزيد الضغوط على الاحتياطيات الأجنبية.
ويرى خبراء أن تحويلات المصريين العاملين في دول الخليج قد تتعرض أيضًا لبعض الضغوط إذا تضررت اقتصادات المنطقة نتيجة الحرب أو ارتفاع تكاليف الطاقة.
في النهاية، تكشف هذه التطورات أن الاقتصاد المصري يواجه مزيجًا معقدًا من الضغوط الداخلية والخارجية. فمع ارتفاع الديون واعتماد التمويل على الأموال الساخنة، تصبح أي أزمة إقليمية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد على الصمود.
ومع استمرار الحرب في المنطقة، يبدو أن الجنيه المصري قد يدخل مرحلة جديدة من التقلبات، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى إصلاحات هيكلية أعمق بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات المؤقتة.

