المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
بعد أسابيع من الحشد العسكري والتصريحات التصعيدية من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل، يوم 28 فبراير 2026، هجومًا واسع النطاق على إيران. وعلى الرغم من أن ترامب زعم، في كلمة مسجلة، بُثت بعد ساعات قليلة من بدء الهجوم، أن هدف العملية منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإنه دعا الإيرانيين إلى استغلال "فرصة قد لا تتكرر لأجيال" لتولي زمام الأمور في بلادهم؛ ما يشير إلى أن الهدف النهائي للعملية، إذا كان ثمة هدف محدد وواضح، هو إسقاط النظام. وقد أسفرت الضربة الافتتاحية عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، وعدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية. وسرعان ما ردّت إيران بهجمات استخدمت فيها صواريخ باليستية وطائرات مسيرة في اتجاه إسرائيل وقواعد أميركية، ومنشآت اقتصادية في دول الخليج العربية، والأردن، وقبرص، في محاولة لإشعال المنطقة لرفع التكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها، وإلحاق أكبر ضرر ممكن بالاقتصاد العالمي لتوليد ضغوط دولية على إدارة ترامب لوقف الحرب.
خلفية الهجوم
منذ الهجوم الذي شنته إسرائيل على إيران في يونيو 2025، وضرب الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية خلاله، ظل الرئيس الأميركي يأمل عودة إيران إلى المفاوضات والقبول بشروطه للتوصل إلى اتفاق معها، يشمل تنازلها الكامل عن حقها في تخصيب اليورانيوم (بمعنى تفكيك برنامجها النووي والقبول بمبدأ صفر تخصيب)، وتسليم قرابة 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ووضع حد لمديات برنامجها الصاروخي؛ بحيث تصبح غير قادرة على الوصول إلى إسرائيل (راوحت التقديرات بهذا الشأن بين 300-500 كيلومتر) ووقف دعم حلفائها في الإقليم، إضافة إلى حصول الشركات الأميركية على حصة من العقود الإيرانية، في مقابل رفع تدريجي للعقوبات الأميركية على إيران. لكن طهران لم تبد تجاوبًا مع المطالب الأميركية أو دعواتها لاستئناف المفاوضات.
في 28 ديسمبر 2025، اندلعت احتجاجات شعبية واسعة في إيران، بدأت في طهران بسبب انهيار قيمة العملة المحلية وارتفاع الأسعار، ثم امتدت إلى العديد من المدن في أنحاء البلاد. لكن هذه الاحتجاجات سرعان ما تحولت إلى حركة أوسع للمطالبة بتغيير النظام السياسي، تخللتها أعمال عنف. ردت السلطات على المتظاهرين باستخدام القوة المميتة، والاعتقالات الواسعة، إلى جانب قطع الإنترنت لحجب المعلومات. رأى ترامب في التطورات فرصة لإعادة صياغة معادلة الضغط والتفاوض مع طهران، فدعا المحتجين إلى السيطرة على مؤسسات الدولة، واعدًا إياهم بأن "المساعدة في الطريق". لكنه لم يلبث أن تراجع بعد ذلك، قائلًا إنه تلقى تعهدات من السلطات الإيرانية بوقف إعدام نحو 800 شخص شاركوا في الاحتجاجات. ويعود تراجعه حينها عن التدخل إلى عدم وجود ما يكفي من قوات في المنطقة لشن هجوم ضد إيران وتلقي الرد، ومطالبة إسرائيل له بالتريث حتى تتخذ استعدادات كافية لمواجهة إيران، فضلًا عن ضغوط مارستها عليه دول عربية في الخليج وتركيا لتجنب الحرب وإعطاء فرصة للدبلوماسية؛ ما سمح بالعودة إلى المسار التفاوضي مع إيران، والذي كان قد توقف نتيجة حرب الـ 12 يومًا في يونيو الماضي. وثمة اعتقاد أن المفاوضات كانت مسرحية أدارها ترامب بهدف كسب الوقت لإتمام الاستعدادات للحرب، إلا إذا استسلمت إيران فيها لجميع المطالب الأميركية بحيث تتحقق نتائج الحرب المزمع شنها.
شهد فبراير 2026 ثلاث جولات تفاوضية، كانت تجري وفق منطق دبلوماسية البوارجGunboat Diplomacy، بعدما أمر ترامب برفع مستوى الحضور العسكري الأميركي في المنطقة، ووضع مهلة مقدارها شهر للتوصل إلى اتفاق مع إيران. انعقدت الجولة الأولى من المفاوضات في 6 فبراير في مسقط، وأصرت خلالها طهران على حصر النقاش في مسألة ملفها النووي، في حين طالبت واشنطن باتفاق أوسع يشمل البرنامج الصاروخي، وعلاقة طهران بحلفائها الإقليميين. تمسكت إيران خلال المفاوضات أيضًا بحقها في التخصيب بنسب مئوية منخفضة لأغراض سلمية. انتهت جولة مسقط من دون اتفاق، لكنها أسست لمفاوضات إضافية في جنيف، بينما استمر الحشد الأميركي في المنطقة. في جنيف، وافقت واشنطن على قصر التفاوض على برنامج إيران النووي، على أن يجري بعد التوافق بشأنه الانتقال للتفاوض حول القضايا الأخرى (البرنامج الصاروخي، والقضايا الإقليمية). لكن الفجوة برزت بشدة بين الطرفين، بعد أن تمسكت الولايات المتحدة بوقف تام للتخصيب داخل إيران، مع إخراج كامل كمية المواد المخصبة بنسبة 60% إلى الخارج، في حين اقترحت إيران خفض مستويات التخصيب وزيادة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع مرحلي للعقوبات. ولفترة وجيزة، سادت أجواء تفاؤلية بقرب التوصل إلى اتفاق يجنب المنطقة مواجهة عسكرية مكلفة حينما أدلى وزير الخارجية العماني، والوسيط في المفاوضات بين واشنطن وطهران، بدر البوسعيدي، بتصريحات لإحدى محطات التلفزة الأميركية، بأن إيران وافقت على نقل كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الخارج، وقبلت بنظام تفتيش صارم لمنشآتها النووية. لكن الحرب نشبت وبدأ العدوان على إيران مع تحقيق تقدم في المفاوضات؛ ما يدل على أن إسرائيل، والفئات المؤيدة للحرب التي تدور في فلكها داخل الإدارة الأميركية، كانت تخشى من التوصل إلى تسوية، ولو بتنازلات مؤلمة لإيران. صحيح أن واشنطن كانت تريد التزامًا واضحًا من إيران بتفكيك برنامجها النووي، بحيث ينفذ من خلال وقف كل نشاطات التخصيب على الأراضي الإيرانية، وهو أمر لم تقبل به إيران في تلك الجولتين، ولكنها قدمت تنازلات كثيرة أخرى، وكانت التسوية ممكنة من دون شك. استغلت الولايات المتحدة وإسرائيل توافر معلومات استخباراتية عن اجتماع يعقد صباح اليوم التالي (السبت 28 فبراير 2026) في مقر إقامة المرشد خامنئي يضم كبار القيادات السياسية والعسكرية، وأطلقت العدوان بعد غدر وخداع، وأصبح واضحًا أن الهدف ليس التوصل إلى تسوية مع إيران، بل إسقاط نظامها الحاكم.
دوافع الهجوم على إيران
أطلقت الولايات المتحدة على الحملة العسكرية المشتركة التي تنفذها مع إسرائيل ضد إيران اسم "الغضب الملحمي" Epic Fury، بينما أسمتها إسرائيل "عملية الأسد الزائر" Roaring Lion. وجاء هذا التحرك، بعد أن استكملت واشنطن حشد قواتها في المنطقة، ومهلة منحها ترامب لإيران راوحت بين عشرة وخمسة عشر يومًا للتوصل إلى اتفاق حول برنامجها النووي. حدّد ترمب، في بيان مقتضب نشره عبر منصة تروث سوشيال عشية الهجوم، أربعة أهداف لعملية "الغضب الملحمي"، تمثّلت في:
1. منع إيران من امتلاك سلاح نووي
2. تدمير ترسانتها الصاروخية ومواقع إنتاجها
3. إضعاف شبكة وكلائها في الإقليم
4. القضاء على قدراتها البحرية.
لكن، إلى جانب هذه الأهداف العسكرية، أشار إلى غاية سياسية أوسع تتمثّل في الدفع نحو تغيير النظام من الداخل، مستغلًا التذمر الشعبي من الأوضاع الاقتصادية التي تُعدّ العقوبات الأميركية أبرز أسبابها.
لسنوات طويلة، مثّل برنامج إيران النووي أحد أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران إلى أن جرى التوصل إلى اتفاق بشأنه عام 2015، سمح برقابة مشددة عليه في مقابل السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم عند حد 3.67 في المئة. لكن ترامب انسحب من الاتفاق الذي أبرمته إدارة باراك أوباما، واعتمد بدلًا منه سياسة "الضغط الأقصى" للتوصل إلى اتفاق خاص به. وبعد تعثر جهود إدارة الرئيس جو بايدن في إحياء الاتفاق أو التوصل إلى صيغة بديلة، عاد ترامب إلى البيت الأبيض معلنًا رغبته في إعادة فتح باب المفاوضات مع إيران. وخلال العام الأول من ولايته الثانية، أكد مرارًا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة العسكرية إذا فشلت الجهود التفاوضية في التوصل إلى الاتفاق الذي يريده مع إيران. وفي أعقاب الضربات الجوية الأميركية في يونيو 2025، أو ما سُمّي حرب الإثني عشر يومًا، أعلنت واشنطن أنها ألحقت أضرارًا جسيمة بالبرنامج النووي الإيراني، وأن أي اتفاق جديد مع إيران يجب أن يتضمن تفكيكًا كاملًا للبنية التحتية النووية الإيرانية ووقف كل أنشطة التخصيب على الأراضي الإيرانية؛ وهو ما رفضته إيران، كما رفضت التطرق إلى القضايا غير النووية، باعتبار أن اتفاق 2015 اقتصر عليها، فاستبعدت برنامجها للصواريخ الباليستية وعلاقتها بحلفائها في "محور المقاومة" من جدول أعمال المفاوضات. ونتيجة افتقارها إلى قدرات جوية معتبرة، تعتبر إيران برنامجها الصاروخي أداتها الدفاعية الرئيسة، وهي تتمسك برفض التفاوض بشأن مدياته التي تصل في بعض أنواع الصواريخ إلى 2000 كيلومتر؛ الأمر الذي ظل موضع خلاف كبير مع واشنطن التي رأى وزير خارجيتها، ماركو روبيو، أن ملف الصواريخ الباليستية يتعين بحثه في مرحلة ما. مع ذلك، لا يبدو أن الخلاف حول برنامج إيران النووي أو برنامج الصواريخ الباليستية كان وحده الدافع المباشر وراء الضربة الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة، لا سيما في ضوء المؤشرات التي تفيد أن العملية جرى التخطيط لها منذ أشهر بالتنسيق بين واشنطن وتل أبيب، ضمن إطار استراتيجي أوسع يتجاوز حدود القضايا العسكرية والنووية.
في إعلان ترامب عن بدء الهجوم، صباح السبت، وجّه خطابًا مباشرًا إلى الشعب الإيراني دعا فيه إلى "السيطرة على حكومتكم" عقب انتهاء العمليات العسكرية. مضيفًا: "لديكم الآن رئيس يمنحكم ما تريدون، فلنرَ كيف ستردون". واتهم إيران بممارسة "إرهاب جماعي"، مؤكدًا أن الولايات المتحدة "لن تتسامح مع ذلك بعد الآن"، ومعلنًا عزم بلاده على "تدمير صواريخها وتسوية صناعتها الصاروخية بالأرض". عكست هذه التصريحات توجّهًا تصعيديًا واضحًا، يربط بين المسار العسكري الذي تقوده واشنطن والرهان على تحولات "داخلية" في بنية النظام الإيراني على خلفية إلحاق ضرر عميق ببنيته الأمنية والسياسية؛ ما يفضي إلى إضعافه تمهيدًا لإسقاطه. فقرار تنفيذ ضربات واسعة ضد أهداف تابعة للنظام الإيراني يتجاوز إطار التصريحات السابقة التي وعد فيها ترامب المتظاهرين بأن "المساعدة قادمة"، ليعكس توجّهًا نحو حملة شاملة تستهدف تقويض القيادة ومراكز القوة فيه. ويبدو أن الإدارة الأميركية، في ضوء ما تعتبره مؤشرات على هشاشة داخلية للنظام الإيراني خلال أحداث يناير، ترى فرصة لمحاولة إعادة تشكيل المشهد السياسي في إيران بصورة جذرية وتهيئة الظروف لإحداث تغيير في بنية النظام السياسي الإيراني. وقد تمثّل ذلك في استهداف مسؤولين كبار، ومؤسسات سيادية، وبنية تحتية عسكرية استراتيجية، فضلًا عن تدمير مقرات واستهداف أجهزة فرض النظام العام، إضافة إلى استهداف مجمعات قيادة وعناصر من الهيكل القيادي العسكري الإيراني. وبذلك، لم تقتصر العمليات على إضعاف قدرات عسكرية محددة، بل اتجهت نحو تقويض ركائز الدولة الأمنية ومراكز صنع القرار فيها.
وتستند المقاربة الأميركية إلى تقدير مفاده وجود حالة ضعف بنيوي داخل النظام الإيراني في أعقاب الضربات الإسرائيلية والأميركية في عام 2025، إضافة إلى موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد في يناير، ورفع خلالها المتظاهرون شعارات تطالب بتغيير النظام. وعلاوة على ذلك، أسهمت الحروب التي شنتها إسرائيل خلال العامين الماضيين في إضعاف شبكة حلفاء إيران الإقليميين؛ ما حدّ من قدرة طهران على فتح جبهات متعددة كان يمكن أن تُستخدم لردع هجوم واسع النطاق عليها أو تشتيت مساراته في حال وقوعه. وقد عزز كل هذا اقتناعًا أخذ يتشكل لدى الإدارة الأميركية بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية واسعة بتكلفة قليلة، تهدف، وفقًا لترمب، إلى "إنهاء تهديد إيراني مستمر منذ عقود". هنا تأمل واشنطن بوضوح أن تحفّز ضرباتها الجوية المشتركة مع إسرائيل انتفاضة داخلية تُفضي إلى إطاحة النظام، وهذا ما تؤكده طبيعة الضربات التي يجري شنها على إيران، وهذا ما أكده بنيامين نتنياهو أيضًا الذي وصف النظام الإيراني بأنه يمثّل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، ويرى أن الهجوم الأميركي – الإسرائيلي قد "يخلق الظروف للشعب الإيراني كي يأخذ مصيره بيديه"، مع أن التجربة تثبت أن هذه الاستراتيجية تقود إلى الفوضى أو الحروب الأهلية أو كلتيهما؛ فلا يوجد بديل منظم لنظام الحكم القائم، ولا تنوي الإدارة الأميركية أن تنزل قوات على الأرض لتدير مشهد انتقال السلطة، خلافًا لما حصل في العراق. وتبين التصريحات المتناقضة للرئيس الأميركي عن غياب أي تصور واضح لما بعد الحرب، وعدم اكتراث لمصير الدولة والشعب في إيران.
خاتمة
تسعى الولايات المتحدة بمشاركة إسرائيل عبر العملية العسكرية الواسعة، التي أطلقتها ضد إيران يوم 28 فبراير، وأسفرت في ساعتها الأولى عن اغتيال المرشد الإيراني وجزء كبير من قيادة الدولة، إلى تحقيق جملة من الأهداف؛ أهمها خلخلة بنية النظام وإيجاد ظروف داخلية مواتية تمهد لإطاحته، إذا فشلت الحملة الجوية في دفعه إلى الاستسلام والموافقة على الشروط الأميركية - الإسرائيلية المتصلة بالبرنامج النووي وبرنامج الصواريخ البالستية والحلفاء الإقليميين. ويبدو ذلك واضحًا، من خلال استهداف أجهزة حفظ النظام في المجتمع، إلى جانب قدراته الصاروخية والنووية، بهدف إضعاف سطوة النظام وقدرته على السيطرة الداخلية؛ بما يسمح بإطلاق ثورة ضده مع انتهاء العمليات العسكرية.

