أطلق الحرس الثوري الإيراني إعلان إغلاق مضيق هرمز، فتقدّم الاقتصاد العالمي خطوة إضافية نحو صدمة تشبه أزمات “الاختناق الشامل” التي عرفها العالم وقت كورونا، لكن بمحرك مختلف: الطاقة والنقل البحري.
التحذير هنا ليس إنشائيًا. السوق تحرّك بالفعل. التأمين انسحب. السفن توقفت. والأسعار ارتفعت قبل أن تُكتب أي بيانات مطمئنة.
المضيق ليس عنوانًا جغرافيًا. هو عقدة تشغيل يومية لاقتصاد العالم. يقع بين إيران شمالًا وعُمان والإمارات جنوبًا. عرضه نحو 50 km عند المدخلين ويتقلّص إلى 33 km في أضيق نقطة، مع عمق يسمح بمرور الناقلات العملاقة.
ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، عبره في 2024 متوسط 20 مليون برميل يوميًا، وبقيت التدفقات في الربع الأول من 2025 قريبة من ذلك المستوى.
عنق زجاجة العالم… بالأرقام لا بالشعارات
الأهمية ليست “نفط إيران” فقط. المضيق يخدم صادرات العراق والكويت وقطر والسعودية والإمارات. ومع ارتفاع المخاطر، يصبح مجرد التهديد عامل تسعير مستقل، حتى قبل الإغلاق الكامل. تقارير حديثة أشارت إلى وجود أكثر من 150 ناقلة راسية في الخليج وغير قادرة على التحرك، مع هبوط حاد في عدد السفن العابرة إلى 7 سفن فقط يوم الأحد 2 مارس 2026. هذا ليس تباطؤًا. هذا تعطّل وظيفي لمسار عالمي.
الأسواق التقطت الرسالة بسرعة. خام برنت ارتفع إلى نطاق 82–83 دولارًا للبرميل في أيام قليلة، ومعه قفزت تكلفة استئجار ناقلة عملاقة على خط الشرق الأوسط–الصين إلى أكثر من $424,000 يوميًا. هذه الكلفة لا تبقى في البحر. تنتقل إلى كل سلعة. وتتحول إلى تضخم مستورد على الدول غير المنتجة للطاقة، ومنها مصر التي تدفع ثمن النقل والدولار معًا.
ويحذّر Tom Karako من CSIS من أن “عمق المخزون” الدفاعي واللوجستي هو الاختبار الحقيقي في الأزمات الممتدة، لا براعة الخطاب أو الوعود. منطق هرمز ينطبق عليه ذلك: ما فائدة خطط الطوارئ إذا كان البحر نفسه خارج الخدمة بفعل التأمين والخوف، قبل الصواريخ؟
أثر الإغلاق… آسيا تتلقى الضربة الأولى ثم تُصدِّرها للعالم
يمر عبر المضيق نحو 3,000 سفينة شهريًا. أي تعطّل يعني تضخيم فاتورة الشحن والتأمين فورًا، حتى لو استمر جزئيًا. التأثير الأكبر يذهب إلى آسيا. في 2022 اتجه 82% من النفط المغادر للمضيق إلى أسواق آسيوية، ومع اعتماد سلاسل الصناعة العالمية على الصين تحديدًا، تنتقل زيادة تكلفة الطاقة من المصانع إلى أسعار السلع في كل مكان.
في قلب هذه الحلقة، تعتمد الصين بدرجة عالية على خام إيران. ومع تقارير تقول إن الصين تشتري نسبة كبيرة من صادرات إيران النفطية، يصبح ارتفاع السعر ضغطًا مباشرًا على تكلفة الإنتاج ثم التصدير. هنا تتضح خطورة المقارنة بكورونا: الأزمة لا تأتي من نقص سلعة واحدة، بل من شلل قناة عبور وارتفاع “سعر المخاطرة” على كل عملية نقل.
ومن زاوية الأسعار، نقلت تقارير اقتصادية رأي Jörg Krämer كبير اقتصاديي Commerzbank بأن استمرار تعطل هرمز قد يدفع برنت إلى مستويات أعلى بكثير، مع بقاء الأسعار مرتفعة فترة أطول إذا طال أمد الحرب. هذا التحذير ليس تنبؤًا نظريًا. هو قراءة لسلوك السوق عندما تُحاصر الإمدادات بممر واحد.
كيف تُغلق إيران المضيق… ولماذا البدائل لا تكفي
قانونيًا، تتحكم الدول في مياهها الإقليمية حتى 12 ميلًا بحريًا. وفي أضيق نقاط المسار، يمر الممر الملاحي داخل المياه الإيرانية والعُمانية عمليًا، ما يجعل الضغط على الملاحة ممكنًا حتى دون إعلان “إغلاق رسمي” شامل. الأكثر ترجيحًا، كما يذكر خبراء الأمن البحري، هو زرع الألغام عبر زوارق سريعة أو غواصات، إلى جانب تهديد السفن التجارية بصواريخ مضادة للسفن أو مسيّرات.
لكن هذا التصعيد يفتح باب رد أميركي مباشر. التاريخ قريب: “حرب الناقلات” في الثمانينيات شهدت تدخلًا أميركيًا لضمان حرية الملاحة ومرافقة ناقلات كويتية. الفارق اليوم أن السوق أشد حساسية، وأن شركات التأمين أسرع في الانسحاب من المخاطر، ما يجعل “الإغلاق” يتحقق اقتصاديًا حتى قبل أن يثبت عسكريًا.
أما طرق الالتفاف، فهي موجودة لكنها محدودة. السعودية تمتلك خط أنابيب بطول 1,200 km لنقل حتى 5 مليون برميل يوميًا إلى ساحل البحر الأحمر. والإمارات تربط حقولها بميناء الفجيرة عبر خط بسعة لا تقل عن 1.5 مليون برميل يوميًا. هذه مخارج جزئية. لكنها لا تعوض كل تدفقات الخليج.
وتقديرات نُشرت في الأيام الأخيرة تشير إلى أن الإمدادات العالمية قد تتراجع بين 8 و10 مليون برميل يوميًا حتى مع تشغيل البدائل، وهو رقم يكفي لإحداث صدمة كبيرة في سوق النفط والغاز والشحن. هنا يصبح السؤال سياسيًا واقتصاديًا: من يدفع فاتورة “استعراض القوة” حين تُدار الجغرافيا كزر طوارئ للعالم؟

