تجاوز سعر صرف الدولار حاجز 50 جنيهًا خلال تعاملات الثلاثاء، مرتفعًا بنسبة 2% مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط. سجلت العملة الأمريكية أعلى مستوى لها منذ أشهر، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن الأوضاع النقدية تحت السيطرة. القفزة جاءت متزامنة مع تخارج أجنبي جديد، ما أعاد سؤال الاستقرار إلى الواجهة.
أرقام السوق تكذب خطاب الطمأنة
بحسب موقع “العربية Business”، سجل أعلى سعر للدولار في بنك فيصل الإسلامي وبنك بيت التمويل الكويتي عند 50.15 جنيه للشراء و50.25 جنيه للبيع. وفي البنك الأهلي المصري وكريدي أغريكول وأبوظبي الإسلامي و”إتش إس بي سي” بلغ السعر 50.10 جنيه للشراء و50.20 جنيه للبيع.
في المقابل، أعلن البنك المركزي سعرًا أقل عند 49.16 جنيه للشراء و49.30 جنيه للبيع. الفجوة بين السعر الرسمي ومتوسط أسعار البنوك تعكس توترًا في سوق النقد.
الدكتورة بسنت فهمي، الخبيرة المصرفية، ترى أن “اختراق مستوى 50 جنيهًا نفسيًا قبل أن يكون رقميًا”. وتضيف أن السوق يتحرك وفق العرض والطلب، لكن الحساسية المفرطة تجاه أي صدمة خارجية تعني أن أدوات التحوط ما زالت ضعيفة.
الارتفاع لم يأتِ في فراغ. تراجع الجنيه تزامن مع تخارج مستثمرين أجانب مع تصاعد التوترات عقب العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ورد طهران بضربات استهدفت مصالح أمريكية في المنطقة. الأموال الساخنة عادت لتضغط على السوق.
الأموال الساخنة تعود للواجهة
السيناريو الأول الذي طرحه محللون يفترض انتهاء الحرب سريعًا، وانحسار التأثير في خروج مؤقت للأموال الساخنة يمكن تعويضه. هذا السيناريو يفترض عودة الدولار لمساره السابق.
لكن السيناريو الثاني، الأكثر تشاؤمًا، يفترض استمرار الحرب لفترة أطول، ما يضاعف الضغوط على قنوات التدفقات الأجنبية، ويدفع الدولار إلى مستويات تتجاوز 52 جنيهًا.
الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، يؤكد أن “الاعتماد الكبير على استثمارات قصيرة الأجل يجعل السوق عرضة لهزات مفاجئة”. ويضيف أن أي اضطراب جيوسياسي يدفع المستثمرين إلى ملاذات آمنة، ما يخلق فجوة تمويلية سريعة.
الحكومة راهنت في 2025 على عودة السيولة وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج. بالفعل، ارتفع الجنيه بنسبة 6.7% خلال العام بدعم من تدفقات قوية. لكن هذا التحسن كان مرتبطًا بظروف خارجية مواتية أكثر من كونه نتيجة إصلاح هيكلي عميق.
اليوم، مع تغير المعطيات الإقليمية، يتراجع الجنيه مجددًا. السوق يختبر قدرة الحكومة على إدارة الصدمات.
إدارة الأزمة بين الإنكار والواقع
الخطاب الرسمي يركز على قوة الاحتياطيات وتحسن المؤشرات. لكن الأرقام اليومية لسعر الصرف تعكس هشاشة. تجاوز 50 جنيهًا لم يحدث منذ أشهر. عودة هذا المستوى في أيام معدودة تشير إلى حساسية مفرطة.
الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، يرى أن “الاقتصاد الذي يتأثر فورًا بكل صدمة خارجية يعاني من اختلال في هيكل تدفقاته”. ويشير إلى أن تنويع مصادر العملة الصعبة وتقليل الاعتماد على الديون القصيرة الأجل ضرورة لا خيار.
الحرب ليست العامل الوحيد. ارتفاع فاتورة الاستيراد، وضغط خدمة الدين، وتباطؤ بعض الإيرادات الدولارية عوامل قائمة. التوتر الإقليمي سرّع التفاعل، لكنه لم يخلق المشكلة من العدم.
السوق الآن أمام مفترق طرق. إذا انتهت الحرب سريعًا، قد تستعيد بعض الأموال الساخنة مواقعها. لكن استمرار التصعيد سيجعل الضغوط أكثر عمقًا. تجاوز 52 جنيهًا لم يعد احتمالًا بعيدًا في حال تفاقم الأزمة.
الجنيه أنهى 2025 بأداء قوي نسبيًا. لكن القوة الظاهرة كانت مدفوعة بتحسن تدفقات محددة. السؤال المطروح: هل بنيت السياسة النقدية على أساس مستدام أم على موجة تدفقات مؤقتة؟
الارتفاع بنسبة 2% في يوم واحد يعكس توترًا. الفارق بين سعر المركزي والبنوك يعكس ضغوطًا. وسيناريوهات 52 جنيهًا تعكس قلقًا.
الحكومة مطالبة بخطة واضحة تتجاوز الطمأنة. إدارة سوق النقد في زمن الحروب تحتاج إلى أدوات احترازية حقيقية، لا مجرد بيانات رسمية. المعركة ليست فقط في الشرق الأوسط. بل في قدرة الاقتصاد المحلي على الصمود أمام أول موجة تخارج.

