كشف سجال علني بين دعاة سلفيين وباحثين وناشطين على منصة «إكس» عن انقسام حاد داخل التيار الإسلامي بشأن الموقف من إيران والحرب الدائرة في المنطقة. التصريحات المتبادلة عكست صراعًا يتجاوز السياسة إلى تعريف الهوية والانتماء. البداية كانت مع تدوينة للباحث والأكاديمي تقادم الخطيب اعتبر فيها أن أطرافًا متباينة أيديولوجيًا باتت في خندق واحد في هذه الحرب، في إشارة إلى تحالفات غير متوقعة داخل المجال العام

 

 

الجدل تصاعد بعد هجوم الداعية السلفي وليد إسماعيل على مؤيدي إيران، معتبرًا أن احتفاء بعضهم بضرب دول عربية يعكس انحيازًا عقائديًا يتجاوز الانتماء الوطني

 

 

ردود الفعل جاءت واسعة، من ناشطين اعتبروا أن الخطاب الإقصائي يزيد الاستقطاب

 

 

ومن متابعين أعربوا عن خيبة أملهم في تحوّل خطاب دعوي إلى اصطفاف سياسي مباشر
 

 

استقطاب ديني يتجاوز السياسة

 

اللافت أن الجدل لم يتوقف عند حدود الخلاف السياسي، بل امتد إلى تأصيلات دينية. حساب يحمل اسم “البطريق” اعتبر أن المواجهة مع إسرائيل معركة وجودية، وأن الاصطفاف يجب أن يكون ضد المشروع الصهيوني أيا كانت الخلافات المذهبية، مستشهدًا بآيات قرآنية لتدعيم موقفه

 

 

في المقابل، طرحت مايسة سؤالًا مباشرًا حول البديل المطروح، متسائلة إن كان المطلوب الاصطفاف في الجهة الأخرى

 

 

بينما ذهب حساب آخر باسم “كم بنك” إلى الدفاع عن شرعية القتال ضد إسرائيل باعتباره معيارًا للانتماء الإسلامي
 

 

ويرى الدكتور عمار علي حسن، الباحث في علم الاجتماع السياسي، أن “هذا النمط من السجال يعكس انتقال الخلاف من السياسة إلى إعادة تعريف من هو المسلم ومن هو الوطني، وهي منطقة شديدة الخطورة”. ويضيف أن الخطاب الديني حين يُسخّر لتثبيت اصطفاف سياسي يتحول إلى أداة تعبئة لا إلى مرجعية أخلاقية.

 

خطاب دعوي تحت اختبار الحرب

 

تصاعد النقاش مع مطالبات من بعض المتابعين بمراجعة لغة التخوين في شهر رمضان، معتبرين أن الخطاب الديني يفترض أن يكون جامعًا لا مفرقًا

 

 

كما أشار إياد، وهو أحد المتابعين، إلى أن الموقف من إيران لا يجب أن يتحول إلى معيار للحكم على الأشخاص أو نياتهم
 

 

الدكتور سعد الدين إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع السياسي، يرى أن “الخطاب الديني في لحظات الحرب يصبح مرآة للتوترات المكبوتة داخل المجتمعات”. ويشير إلى أن الاستقطاب المذهبي يتغذى على الأزمات الإقليمية، لكنه في جوهره يعكس أزمة ثقة أعمق بين الدولة والمجتمع وبين التيارات الإسلامية نفسها.

 

ويضيف أن الانقسام الحالي لا يتعلق بإيران وحدها، بل بسؤال أوسع: هل الأولوية للهوية المذهبية أم لمعادلة العدو والصديق في الإقليم؟

 

منصات التواصل كساحة حرب موازية

 

الملاحظ أن منصة «إكس» تحولت إلى ساحة مواجهة موازية، حيث يتم إعادة نشر التصريحات بسرعة، وتتسع دوائر التفاعل في ساعات قليلة. هذا التفاعل لا يقتصر على النخب، بل يشمل جمهورًا واسعًا يعيد تشكيل الخطاب العام.

 

الدكتورة هالة مصطفى، الباحثة في قضايا التحول السياسي، تؤكد أن “وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد ناقل للرأي، بل أصبحت مصنعًا للمواقف”. وتضيف أن سرعة الاستقطاب الرقمي تسبق أحيانًا التحليل الهادئ، ما يضاعف أثر العبارات الحادة ويحولها إلى مواقف جماعية.

 

وتشير إلى أن الحرب الإقليمية كشفت هشاشة التوافق داخل التيار الإسلامي نفسه. فهناك من يقدّم الصراع مع إسرائيل باعتباره أولوية مطلقة، وهناك من يرى في إيران خصمًا مذهبيًا لا يمكن تجاوزه حتى في ظل المواجهة مع تل أبيب.

 

النتيجة أن الجدل تجاوز حدود الاختلاف المشروع إلى معركة تعريف للانتماء. لم يعد السؤال فقط: مع من نقف؟ بل: من يملك حق تحديد الموقف الصحيح؟

 

في المحصلة، يكشف هذا السجال أن الحرب في الإقليم لا تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضًا بالكلمات والتأويلات. الانقسام الدعوي الحالي يعكس أزمة أعمق في بنية الخطاب الديني والسياسي العربي، حيث تختلط الهوية بالعقيدة، والسياسة بالعاطفة، والموقف الاستراتيجي بالحسابات المذهبية.

 

المشهد مرشح لمزيد من التصعيد طالما استمرت المواجهة العسكرية، وطالما بقيت منصات التواصل منصة مفتوحة لإعادة إنتاج الاستقطاب. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ينجح الخطاب الديني في استعادة منطقه الجامع، أم يبقى أسير الاصطفافات الحادة التي تعمق الانقسام بدل احتوائه؟