تُعلّق مصر للطيران رحلاتها الجوية المتجهة من القاهرة إلى مجموعة واسعة من العواصم والمدن العربية “حتى إشعار آخر”، وفق بيان الشركة، مع متابعة التوترات المتسارعة في المنطقة وإغلاق بعض دول الجوار لمجالاتها الجوية. القرار يضع آلاف المسافرين أمام واقع جديد: خطط سفر تتبدل فجأة، وتكاليف إضافية، وأسئلة عن التعويض وإعادة الحجز ومتى يعود التشغيل لطبيعته، بينما تُراهن الجهات الرسمية على إدارة الأزمة دون شلل كامل.

 

تعليق واسع يشمل 13 وجهة.. والمسافر يدفع كلفة “الاحتراز”

 

قرار التعليق شمل رحلات الكويت، دبي، الدوحة، البحرين، أبوظبي، الشارقة، القصيم، الدمام، أربيل، بغداد، عمّان، بيروت، ومسقط. هذا نطاق واسع لا يمكن وصفه بتعديل محدود في الجداول. وهو يعكس أن الأزمة ليست خبرًا عابرًا، بل تعطّلًا فعليًا في شبكة تشغيل تربط مصر بأسواق عمل وجاليات وحركة تجارة وسياحة.

 

الطيار ووزير الطيران المدني الأسبق حسام كمال يرى أن التعليق في مثل هذه الظروف قرار “تشغيلي وأمني” قبل أن يكون قرارًا تجاريًا، لأن أي اضطراب إقليمي يغيّر مسارات الطيران وارتفاعات التحليق وممرات العبور في دقائق. ويضيف أن ضغط الأزمة يقع عادة على المسافر أولًا، لذلك تصبح السرعة في إعادة الحجز وتوضيح البدائل معيارًا حاسمًا لقياس كفاءة إدارة الأزمة.

 

مصر للطيران قالت إنها تتخذ هذه الخطوة “إجراءً احترازيًا” للحفاظ على سلامة التشغيل والركاب، في ظل مستجدات إقليمية متلاحقة. عمليًا، هذا يعني أن رحلة كانت مقررة اليوم قد تتحول إلى انتظار مفتوح، وأن المسافر يحتاج لتحديث لحظي لا بيانًا عامًا فقط، لأن تكلفة التأجيل لا تتوزع بالتساوي بين الجميع.

 

غرفة الأزمات في IOCC.. متابعة لحظية لكن معيارها ما يحدث على الأرض

 

الشركة أوضحت أن الطيار أحمد عادل، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب التنفيذي للشركة القابضة لمصر للطيران، يتابع تطورات الموقف من داخل غرفة الأزمات بمركز العمليات المتكامل IOCC، وبالتنسيق مع الجهات المعنية بمطار القاهرة الدولي والمحطات الخارجية والمتابعة اللحظية لحركة التشغيل. مركز IOCC يُوصف عادة بأنه “عصب التشغيل” لأنه يدير الجداول والأطقم والقرارات الطارئة لحظة بلحظة.

 

اللواء مهندس ووزير الطيران المدني الأسبق حسين مسعود يلفت إلى أن الأزمات الجوية لا تُقاس بالقرار نفسه، بل بقدرة المنظومة على امتصاص تبعاته: تكدس الركاب، إعادة توجيه الطائرات، إيواء حالات الترانزيت، والتعامل مع غضب المسافرين دون فوضى. ويضيف أن مطارًا محوريًا مثل القاهرة قد يستفيد من تحويلات الطيران إقليميًا، لكنه قد يخسر الثقة سريعًا إذا تعثرت الخدمات الأرضية أو ساءت تجربة الركاب.

 

مصر للطيران دعت العملاء لمراجعة الحجوزات ومتابعة آخر التحديثات عبر مركز خدمة العملاء أو الموقع الرسمي. هذا مهم، لكنه لا يغني عن نشر تعليمات واضحة حول الاسترداد وإعادة الإصدار وتغيير المسار، لأن كلمة “حتى إشعار آخر” تخلق فراغًا زمنيًا، والفراغ عادة يدفع الناس للشائعات بدل المعلومات.

 

الطيران المدني يرفع الاستعداد.. والمجال الجوي يعمل لكن الضغوط تتزايد

 

وزارة الطيران المدني أكدت متابعة الدكتور سامح الحفني لموقف التشغيل على مدار الساعة عبر غرفة العمليات المركزية بسلطة الطيران المدني، وبالتنسيق مع مركز القاهرة للملاحة الجوية CANC وغرفة الأزمات بمطار القاهرة الدولي وIOCC لمصر للطيران ومركز العمليات بالشركة المصرية للمطارات. الوزارة قالت إن الهدف هو قرارات تشغيلية تضمن أعلى معدلات السلامة وكفاءة التشغيل وتوفير التسهيلات للركاب المتأثرة رحلاتهم.

 

الخبير الاقتصادي مدحت نافع يربط اضطراب الطيران بكلفة اقتصادية أوسع، لأن تعليق الرحلات لا يضرب السياحة فقط، بل يضغط على الشحن الجوي، وسفر العمالة، وحركة الشركات، ويخلق موجة مصاريف غير مخططة للأفراد. ويضيف أن أثر الأزمة يتضاعف عندما تكون القرارات متتابعة، لأن المسافر يدفع فرق أسعار تذاكر، وفنادق، وتنقلات، بينما لا توجد دائمًا آلية تعويض واضحة وسريعة.

 

الوزارة شددت على أن المجال الجوي المصري يعمل بكامل طاقته وبأعلى درجات الجاهزية لاستقبال تحويلات محتملة لمسارات رحلات. هذه رسالة طمأنة ضرورية، لكنها تعني أيضًا أن المطارات المصرية قد تستقبل طائرات عابرة اضطراريًا. ومع أي زيادة مفاجئة في الهبوط، يصبح الامتحان الحقيقي في الخدمات: الجوازات، الحقائب، الإعاشة، ومعلومات دقيقة تُقال للناس بدل تركهم في صالات الانتظار بلا جدول.

 

في النهاية، قرار مصر للطيران ليس تفصيلًا إداريًا، بل عنوان لحالة إقليمية تعيد رسم خرائط السفر يومًا بيوم. والاختبار الآن مزدوج: سلامة التشغيل أولًا، ثم احترام حقوق المسافرين ثانيًا. لأن الأزمات تمر، لكن الطريقة التي تُدار بها تبقى في ذاكرة الركاب طويلًا.