اعتماد صندوق النقد الدولي للمراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر الاقتصادي، وموافقته على إتاحة نحو 2.3 مليار دولار إضافية من القرض القائم، جاء بعد حزمة واسعة من الإجراءات التي تقول الحكومة إنها ضرورية للاستقرار، بينما يحذر خبراء اقتصاديون من أن ثمنها الاجتماعي مرتفع، وأنها كرّست مساراً تقشفياً يخدم شروط الصندوق أكثر مما يحمي دخول غالبية المواطنين.
تحرير الجنيه وخفض دعم الطاقة: ثمن اجتماعي لشرط الاستقرار
سمحت الحكومة بمرونة أكبر في سعر صرف الجنيه، ما قاد إلى تراجع حاد في قيمته أمام العملات الأجنبية، وأدى إلى قفزات متتالية في أسعار السلع المستوردة، بينما اعتبر الصندوق أن هذه الخطوة أساسية للقضاء على السوق الموازية وتحسين توافر النقد الأجنبي، وهو ما ساهم في استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة وصرف الشريحة الجديدة من التمويل.
هذا المسار يتقاطع مع ملاحظات الخبير الاقتصادي هاني جنينة، الذي رأى في تقديرات سابقة أن فجوة التمويل الدولاري تجعل تعويم العملة أمراً حتمياً، لكنه حذر من أن التأخير في اتخاذ القرار يرفع كلفة التصحيح على المجتمع، وهو ما يراه مراقبون متحققاً في الموجات الأخيرة من ارتفاع الأسعار وتآكل الدخول الحقيقية للأجور والمعاشات.
بالتوازي، واصلت الحكومة تقليص دعم الوقود والكهرباء، مستندة إلى آلية قائمة بالفعل لربط أسعار المحروقات بتكاليف الاستيراد، ما انعكس في زيادات متكررة بأسعار الطاقة حملت آثاراً مباشرة على تكلفة النقل والإنتاج، بينما يشير صندوق النقد إلى أن إصلاح دعم الطاقة جزء رئيسي من استراتيجية خفض العجز المالي وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
ويرى حسين شعيطو، الاقتصادي المتخصص في برامج الصندوق بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن التركيز على مرونة سعر الصرف وإلغاء الدعم في مصر ترافق تاريخياً مع موجات تضخم حادة وارتفاع في أسعار الغذاء والطاقة، مع استفادة محدودة للفئات الأضعف من شبكات الحماية الاجتماعية، بما يجعل مكاسب الاستقرار النقدي مشروطة بتكلفة اجتماعية لا يتكفل الصندوق بتحملها.
الفائدة والضرائب وترشيد الإنفاق: استقرار رقمي وضغوط على النشاط
رفع البنك المركزي أسعار الفائدة عدة مرات ضمن مسار تشديد السياسة النقدية، بهدف كبح التضخم، وهو ما ارتبط بتراجع المعدل السنوي إلى 11.9% في يناير 2026 وفق بيانات الصندوق، لكن هذا الانخفاض تحقق في سياق ركود نسبي للطلب المحلي، وارتفاع قوي في تكلفة الاقتراض على الشركات والأسر، مع اتساع الفجوة بين أسعار الفائدة الحقيقية وقدرة القطاع الإنتاجي على تحمل كلفة التمويل.
الخبير المالي هاني توفيق يربط بين هذا المسار وبين القفزة الكبيرة في الدين العام، حيث حذر من زيادة بنحو 800 مليار جنيه في غضون 3 أشهر، مؤكداً أن الاعتماد على الفائدة المرتفعة واجتذاب أموال قصيرة الأجل لا يعالج جذور الأزمة، بل يضاعف عبء خدمة الدين ويضغط على أولوية الإنفاق الاجتماعي والاستثماري في الموازنة العامة.
في الوقت نفسه، اتجهت الحكومة إلى توسيع القاعدة الضريبية عبر تحسين التحصيل الإلكتروني وتشديد الرقابة على التهرب، بما رفع الإيرادات من دون زيادات كبيرة في السعر الاسمي للضرائب الأساسية، غير أن تقارير بحثية أشارت إلى أن التركيز على زيادة الحصيلة، مع استمرار الإعفاءات الواسعة لقطاعات مرتبطة بمشروعات كبرى أو اعتبارات “أمن قومي”، يحد من عدالة النظام الضريبي ويزيد العبء النسبي على الشرائح الأضعف.
زياد بهاء الدين، النائب السابق لرئيس الوزراء والخبير الاقتصادي، يرى أن المشكلة ليست في مبدأ الإصلاح المالي بحد ذاته، بل في غياب برنامج وطني يحدد دور الدولة الاقتصادي بوضوح، ويضمن أن ضبط العجز لا يتم فقط عبر الضغط على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، بل أيضاً عبر مراجعة امتيازات قطاعات تتمتع بوضع تفضيلي داخل السوق.
وتكمل الحكومة الصورة بإعلان إجراءات لترشيد الإنفاق وتأجيل بعض المشروعات غير العاجلة بهدف تخفيف الضغط على العملة الأجنبية وتقليل العجز، غير أن هذه الخطوات تثير مخاوف لدى خبراء من تأثيرها على مستويات التشغيل في قطاعات الإنشاءات والخدمات، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة التمويل وانكماش الطلب، ما يخلق حلقة تضييق مزدوجة على الاستثمار والوظائف معاً.
برنامج الطروحات وشروط الصندوق: بين مراجعات القرض وحياة الناس
في الإطار نفسه، تمضي الدولة في برنامج الطروحات الحكومية عبر بيع حصص من شركات مملوكة لها لصالح مستثمرين محليين وأجانب، وهو ما يعتبره صندوق النقد ركناً أساسياً لتقليص حضور الدولة في الاقتصاد وتوسيح دور القطاع الخاص، بينما تربط تقارير محلية بين تسريع برنامج بيع الأصول وعودة المراجعات المتأخرة للقرض بعد عام شهد تعثراً في استكمال الشروط المتفق عليها.
يحذر شعيطو من أن بيع أصول عامة للحصول على عملة صعبة لسد فجوات التمويل الحالية قد يخلق التزامات مستقبلية بالدولار لصالح المستثمرين الجدد، في ظل غياب استراتيجية صناعية واضحة أو اشتراطات لإعادة استثمار الأرباح داخل الاقتصاد المحلي، بما يحوّل الخصخصة من أداة لإصلاح هيكل الإنتاج إلى وسيلة قصيرة الأجل لتدبير السيولة.
بحسب بيان الصندوق، يرتبط استمرار التمويل بتنفيذ إصلاحات هيكلية تشمل مرونة سعر الصرف، إصلاح دعم الطاقة، تعزيز الإيرادات الضريبية، وتسريع خروج الدولة من عدد من القطاعات الإنتاجية والخدمية، وكل شريحة تمويل جديدة تُصرف بعد تقييم دوري لمدى الالتزام بهذه الالتزامات، وهو ما يجعل الإجراءات التقشفية جزءاً مباشراً من معايير نجاح البرنامج في نظر المؤسسة الدولية.
من زاوية أخرى، يلفت بهاء الدين إلى أن تكرار الدخول في برامج مع الصندوق من دون مراجعة نموذج التنمية نفسه، خاصة ما يتعلق بتزاحم الدولة مع القطاع الخاص في مجالات عدة، يجعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام الصدمات الخارجية، ويزيد الاعتماد على تدفقات دين جديد بدلاً من تراكم استثمارات إنتاجية مستقرة قادرة على توليد فرص عمل ذات دخل لائق.
وعلى مستوى المؤشرات الكلية، يشير الصندوق إلى نمو بنحو 4.4% وتراجع التضخم من ذروة قاربت 38% في سبتمبر 2023 إلى 11.9% في يناير 2026، لكنه يسجل في الوقت نفسه أن نحو 30% من السكان عند خط الفقر أو دونه، مع تعرضهم بشكل مباشر لآثار ارتفاع الأسعار المتراكم خلال السنوات الأخيرة.
هنا يلتقي تقييم توفيق وجنينة وشعيطو مع ملاحظات خبراء آخرين على أن الإصلاحات التي مهدت الطريق لاعتماد الشريحة الجديدة من قرض الصندوق حققت استقراراً نسبياً في الأرقام الكلية وساهمت في تحسين نظرة الدائنين، لكنها تركت سؤال المعيشة اليومية بلا إجابة واضحة، إذ ترى هذه القراءات أن نقل كلفة التصحيح إلى الأجور الحقيقية وخدمات التعليم والصحة قد يبقي ثمار “الاستقرار” محصورة لفترة في مؤشرات الدين والنمو، بينما يظل كثيرون في الشارع بعيدين عن أي تحسن ملموس في جودة حياتهم.

