تواصل الحكومة الترويج لصورة «استقرار نقدي» مدعومة بقفزات متتالية في احتياطي النقد الأجنبي، الذي وصل وفق تقديرات رسمية إلى نحو 59.2 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025، وبموافقة صندوق النقد الدولي على صرف 2.3 مليار دولار جديدة لمصر ضمن برنامج قيمته 8 مليارات دولار.
لكن في المقابل، يسجل الجنيه في شاشات البنوك نحو 47.89 جنيها للشراء و48.02 جنيها للبيع في البنك المركزي، مع أسعار قريبة في «إتش إس بي سي»، والأهلي، وبنك مصر، والإسكندرية، وغيرها، ما يعكس عملة تواصل التراجع لا التعافي، رغم كل ما يقال عن تحسن المؤشرات.
خبراء اقتصاد يرون أن هذه المفارقة بين احتياطي يتضخم وقيمة عملة تتآكل ليست لغزا تقنيا، بل نتيجة مباشرة لبنية اقتصاد يعتمد على الدَّين والعملات الساخنة، مع استمرار الطلب الكثيف على الدولار من المستوردين وتخارج جزء من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المحلية، بما يضغط على سعر الصرف مهما ارتفعت الأرقام على موقع البنك المركزي.
احتياطي يتضخم بالدَّين لا بالصادرات
بيانات صندوق النقد الدولي تؤكد أن الشريحة الأخيرة البالغة 2.3 مليار دولار جزء من برنامج موسّع مع مصر، تمت زيادته إلى 8 مليارات دولار، وتم تمديده حتى ديسمبر 2026، بهدف دعم «الاستقرار الكلي» بعد تعويم الجنيه وتشديد السياسة النقدية.
الصندوق يشير في الوقت نفسه إلى أن التقدم «غير متكافئ»، وأن الدولة ما زالت تهيمن على الاقتصاد، وأن على الحكومة تسريع إصلاحات تقليص البصمة الحكومية وفتح المجال للقطاع الخاص.
في هذا السياق، يلفت أستاذ الاقتصاد السياسي الدكتور عبد النبي عبد المطلب إلى أن الاعتماد على الديون الخارجية والودائع لرفع الاحتياطي يجعل الرقم المرتفع أقل دلالة على قوة حقيقية؛ لأن هذه الأرصدة يمكن أن تتآكل سريعًا مع أول موجة سداد كبيرة أو خروج مفاجئ لرؤوس الأموال.
ويذكّر بأن الاحتياطي في اقتصاد مثقل بالاستيراد والدَّين لا يعني بالضرورة وفرة في الدولار لدى القطاع الحقيقي، بل قد يكون جزء كبير منه مخصصًا لسداد التزامات قائمة أو مستقبلية، بينما يظل السوق المحلي يعاني من ندرة العملة الصعبة واضطراب في تدفقات الاستثمار.
بهذا المعنى، تبدو قفزات الاحتياطي الأخيرة أقرب إلى «هندسة مالية» تستفيد من قروض الصندوق وإصدارات الدين والتحويلات الاستثنائية، أكثر منها نتيجة توسع في التصدير أو زيادة مستدامة في إيرادات الإنتاج الحقيقي، وهو ما يفسر لماذا لا ينعكس الرقم الضخم على استقرار الجنيه أو هدوء سوق الصرف.
طلب حقيقي على الدولار وجنيه بلا سند إنتاجي
ورغم حديث الصندوق عن تحسن في النمو إلى 4.4% وتراجع التضخم إلى 11.9% في يناير الماضي، تبقى الحقيقة أن الأسعار قفزت سابقًا إلى مستويات قياسية مع تضخم تجاوز 38% في 2023، وأن القوة الشرائية للأجور لم تلحق بهذه القفزات، ما أبقى الطلب على الدولار مرتفعًا سواء للاستيراد أو للتحوط من مخاطر المستقبل.
الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع يصف سعر الصرف بأنه «مرآة حقيقية لصحة الاقتصاد»، ويحذر من أن الاعتماد على اقتصاد ريعي وأموال ساخنة يجعل الجنيه هشًا أمام أي صدمة خارجية، ويحوّل أي تحسن مؤقت في سعر الدولار إلى ظاهرة عابرة لا تغيّر الاتجاه العام للعملة.
ويشير إلى أن تراجع الدولار أحيانًا لا يعني بالضرورة تحسنًا حقيقيًا في قيمة الجنيه، ما لم يتغير هيكل الاقتصاد إلى اقتصاد إنتاجي يرتفع فيه مستوى التصدير والقيمة المضافة، وإلا سيظل الجنيه مهددًا بفقدان قيمته الحقيقية أمام العملات الأخرى.
إلى جانب ذلك، أدى تخارج جزئي لبعض المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المحلية، مع ارتفاع الطلب المتراكم من المستوردين بعد سنوات من القيود على فتح الاعتمادات، إلى زيادة الضغط على الدولار داخل النظام المصرفي، وهو ما يفسر استمرار صعود سعره في البنوك رغم تحسن هامش في الاحتياطي وحركة التدفقات من برامج التمويل الدولية.
الدكتور عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي، يؤكد في تحليلاته أن أزمة الجنيه ليست أزمة «سعر» فقط، بل أزمة نموذج نمو يعتمد على الاقتراض والإنفاق الحكومي الواسع، مع استمرار تقييد دور القطاع الخاص، وتأخر الإصلاحات الهيكلية التي كان يفترض أن تكون جوهر برنامج الصندوق منذ البداية.
ويشدد على أن أي حديث عن استقرار سعر الصرف لن يكون مستدامًا ما لم يرتبط بتغيير حقيقي في بنية الإنتاج والتجارة، يقلل من العجز المزمن في الميزان التجاري ويحد من حاجة مصر الدائمة للدولار من أجل تمويل الواردات وخدمة الدَّين.
مؤشرات «مستقرة» ومواطن يدفع الثمن
بيان صندوق النقد الأخير يشير إلى تراجع عجز الحساب الجاري إلى 4.2% من الناتج المحلي، وارتفاع ثقة الأسواق وقدرة الحكومة على إصدار أدوات دين جديدة، مع زيادة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ورؤوس الأموال قصيرة الأجل.
لكن هذه المؤشرات الكلية لا تجيب عن سؤال أساسي يطرحه خبراء ومراقبون: كيف ينعكس هذا «الاستقرار» على حياة المواطن الذي يرى عملته تتراجع وأسعار السلع والخدمات لا تنخفض بالوتيرة نفسها التي يتحدث عنها المسؤولون؟
الخبير الاقتصادي الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، كان قد أوضح في مناسبات سابقة أن تحسن الاحتياطي وزيادة التدفقات لا يعني بالضرورة تحسنًا مباشرًا في مستوى معيشة المواطنين، إذا ظلت هذه الموارد موجهة أساسًا لخدمة الدَّين وسد فجوات التمويل بدل الاستثمار الإنتاجي وخلق فرص عمل.
ويرى أن استمرار الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، وارتفاع تكلفة التمويل، وتباطؤ خروج الدولة من الأنشطة الاقتصادية، كلها عوامل تبقي الاقتصاد في حالة هشاشة تجعل أي ضغوط جديدة على الجنيه مرجحة في أي لحظة.
في النهاية، تبدو معضلة الجنيه اليوم انعكاسًا مباشرًا لاختيارات اقتصادية تراهن على القروض والبرامج مع مؤسسات دولية أكثر مما تراهن على إعادة بناء قاعدة إنتاجية وصناعية وتصديرية حقيقية.
احتياطي يتضخم، وخطاب رسمي يتحدث عن استقرار وتحسن، لكن سعر الصرف في شاشات البنوك، وقدرة الناس على شراء احتياجاتهم الأساسية، يقدمان رواية أخرى عن اقتصاد ما زال يدور في حلقة مفرغة من الدَّين، والتقشف، وتآكل قيمة العملة المحلية.

