تثير التحذيرات الرسمية المتكررة من وزارة الكهرباء ضد تعليق زينة رمضان باستخدام توصيلات كهربائية غير مرخصة بالتوازى مع التلويح بعقوبات تصل إلى مليون جنيه، انطباعًا واسعًا بأن الأمر يتجاوز مجرد حماية الشبكة، ليتحول عمليًا إلى تجفيف منهجى لمظاهر الاحتفال بالشهر الكريم في الشوارع، تحت عنوان “مواجهة سرقة التيار”، وسط غضب شعبى يتهم الحكومة بأنها تجرّم الفرح وتضيّق على كل ما هو مرتبط بالهوية الدينية والاجتماعية للمصريين.
حملات ميدانية وضبط “الفرحة” في الشارع
خلال الأسابيع السابقة على رمضان 2026 كثّفت شركات توزيع الكهرباء ووزارة الكهرباء من التحذيرات العلنية من توصيل زينة رمضان بأعمدة الإنارة أو بالشبكة العمومية دون تصريح، وُصفت هذه الممارسات بأنها “سرقة تيار” وليست مجرد مخالفة، مع النصح باستخدام عدادات مستقلة أو توصيلات مرخّصة فقط، بدعوى حماية الشبكة من الأحمال الزائدة وحوادث الحريق والصعق الكهربائى.
المصدر بقطاع الكهرباء الذى تحدث عن “مخاطر التوصيلات العشوائية” وضع كل ما يخص زينة رمضان في الشارع في سلة واحدة مع سرقات التيار الكبرى من الورش والمحال، دون تفرقة بين حبل لمبات على “حارة ضيقة” ومنشأة صناعية تسحب طاقة ضخمة، ما يراه منتقدون تعميمًا يخلط بين المخاطر الفنية وحالة عداء غير معلنة تجاه حضور رمضان في المجال العام.
توازى ذلك مع حملات ميدانية في عدد من المحافظات لإزالة وصلات الزينة الموصولة مباشرة بأعمدة الإنارة أو بأكشاك التوزيع، مع تحرير محاضر “استيلاء على تيار” في بعض الحالات، بحسب ما وثقته تغطيات صحفية اقتصادية وخدمية ركزت على تحذير المواطنين من “سرقة الكهرباء لإنارة الزينة” في الشوارع والأزقة الشعبية، مع التأكيد على أن الحملات ستستمر طوال الشهر.
يرى حقوقيون أن هذه اللغة الأمنية في التعامل مع طقس اجتماعى ديني راسخ، تتجاهل واقع الفقر وغياب البدائل المنظمة؛ فالدولة لا توفر عمليًا بنية تحتية تسمح بتخصيص نقاط قانونية رخيصة للزينة الشعبية، ثم تعود لتجرّم المبادرات الذاتية التي اعتادها الناس لعقود باعتبارها “سرقة”.
غرامة حتى مليون جنيه.. قانون لحماية الشبكة أم لتجريم الفقراء؟
تأتى هذه الحملات متزامنة مع تعديلات قانون الكهرباء رقم 87 لسنة 2015، التى شددت العقوبات على “الاستيلاء على التيار الكهربائى”، لتنص المادة 71 بعد التعديل على الحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه، أو إحدى العقوبتين، مع مضاعفة العقوبة في حال تكرار الجريمة، واعتبار بعض الحالات سببًا لتشديد إضافى إذا ترتب عليها انقطاع التيار.
الخبير القانونى ومحامى النقض عاصم العاجز يذكّر، فى تحليل سابق لجريمة سرقة التيار، بأن القانون المصرى اعتبر الاستيلاء على الكهرباء نوعًا من سرقة المال المنقول، يعاقَب عليه بالحبس وغرامة، مع إلزام الجانى بسداد مثلى قيمة الاستهلاك والتصالح بشروط محددة، مؤكدًا أن التعديلات الأخيرة جاءت فى اتجاه تشديد ملحوظ للعقوبة وردع أشد.
غير أن تطبيق هذه الفلسفة على زينة رمضان يفتح أسئلة حول التناسب بين الفعل والعقوبة؛ فحى شعبى يمد حبل لمبات على عمود إنارة يمكن نظريًا إدخاله فى نفس بند من يعبث بعداد مصنع كبير، بما يعرض سكانه لاحتمال الغرامات الفلكية والحبس، بينما تظل ملفات الفاقد الفعلى من التيار فى المناطق الحرة والأنشطة الكبيرة محل جدل واسع دون شفافية كاملة حول حجمها ومسؤوليتها.
هذا التناقض يرصده عدد من النواب؛ النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب، حذّرت علنًا من أن الاعتماد على سياسة التغليظ وحدها لم يثبت نجاحه تاريخيًا، وأن وضع أرقام “فلكية” فى المحاضر القانونية يهدد النسيج المجتمعى بدلًا من إصلاحه، مطالبة بدراسة اجتماعية حقيقية قبل المضى فى تشريعات بهذه القسوة، وبالتركيز على الرقمنة والعدالة فى توزيع الأعباء بدل معاقبة الفئات الأضعف.
تراث رمضان بين قبضة القانون وغضب الشارع
بعيدًا عن الصياغات القانونية، تنتمى زينة رمضان فى الشارع المصرى إلى طبقة أعمق من الذاكرة الجماعية؛ تقارير تراثية رسمية تتحدث عن تزيين الشوارع والمساجد منذ مئات السنين كجزء من طقوس الشهر، تستخدم أفرع النور والأقمشة والورق الملون لصناعة مشهد احتفالى يربط الناس بالمكان والزمان معًا.
الصحفية رباب سعفان، المهتمة بالشؤون الاجتماعية، رصدت فى تقرير حديث عن زينة رمضان تراجع مبادرات التزيين الشعبية التقليدية، مشيرة إلى أن تصنيع الزينة كان نشاطًا جماعيًا للأطفال والجيران، يصنع لعبًا ومرحًا وروابط اجتماعية، وأن انسحاب الزينة من الشارع لصالح الزينة الجاهزة داخل البيوت يعكس تغيرًا فى شكل العلاقات داخل الأحياء.
فى هذا السياق ترى سعفان وآخرون أن التهديد الدائم بالمحاضر والغرامات على أى حبل زينة فى الشارع يضيف طبقة جديدة من الخوف إلى هذا التراجع، ويدفع مزيدًا من الأسر للعزلة داخل الجدران، فى وقت تعانى فيه المجتمعات المحلية أصلًا من تفكك وضغوط اقتصادية حادة، ما يجعل الشارع أقل احتفالًا وأكثر توترًا فى موسم يرتبط تقليديًا بالبهجة.
من زاوية تراثية بصرية، تؤكد الفنانة التشكيلية غادة التهامى، فى تصريحات سابقة تلفزيونية، أن زينة رمضان جزء من “تراث مصرى أصيل” يعبر عن هوية بصرية متوارثة، وأن اختفاء هذا المشهد من الشوارع لا يعنى فقط فقدان زينة، بل تآكل لعلامات مشتركة تصنع شعور الانتماء، وهو ما يجعل أى تشريعات تمس هذا التراث بحاجة إلى حساسية ثقافية أعلى بكثير مما يظهر فى الحملات الحالية.
فى النهاية، يعتبر مراقبون أن تحويل تعليق زينة رمضان فى شارع شعبى إلى جريمة قد تصل عقوبتها إلى مليون جنيه حبسًا وغرامة، يعكس فلسفة حكم ترى فى المظاهر الدينية مجرد “خطر محتمل” يجب ردعه، بدلًا من شريك يجب إشراكه فى إدارة الفضاء العام، وهو ما يجعل الجدل حول “منع زينة رمضان” مرآة أوسع لأزمة الثقة بين الناس ومغتصبي السلطة.

