بحسب ما وثقته المقاطع المتداولة على منصات التواصل، تؤكد عاملات النظافة أن رواتبهن الأساسية لا تتجاوز 1300 جنيه، في وقت حدّد فيه المجلس الأعلى للأجور ومجلس الوزراء حدًا أدنى للأجور في أجهزة الدولة يتراوح بين 6000 و7100 جنيه للدرجات الدنيا، وفق قرارات رسمية صادرة في 2024 و2025، وهو ما يعني عمليًا أن أجورهن تقع بعيدًا عن أي حد أدنى مُعلن حكوميًا.

 

العاملات أكدن كذلك أن إدارة أشمون الصحية أقدمت على خصم 1000 جنيه من منحة «العمالة غير المنتظمة» من مستحقاتهن، وهي منحة قدمتها وزارة العمل خلال 2025–2026 بقيمة 1000 جنيه شهريًا لستة أشهر، بهدف دعم الفئات الأشد هشاشة من العمالة غير المنتظمة، وليس لتحل محل الأجر أو تُستخدم لسد عجوزات داخلية في جهات حكومية.

 

هذا الخصم يعني عمليًا أن عاملة تحصل على 1300 جنيه تصبح أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما قبول استمرار الأجر المتدني مع اقتطاع منحة الدعم، أو مواجهة تهديدات بالفصل وعدم تجديد التعاقد، وهي تهديدات قالت العاملات إنها وُجِّهت لهن صراحة إذا استمر الاعتراض أو تكررت الوقفات أمام الإدارة أو أمام مسؤولي الصحة بالمحافظة.

 

الاحتجاج الأخير يأتي امتدادًا لمسار من التحركات العمالية داخل إدارة أشمون الصحية، حيث سبق أن تجمهر العشرات من العاملين أمام ديوان محافظة المنوفية قبل سنوات للمطالبة بزيادة الرواتب والتثبيت، ما يعكس استمرار نفس المشكلات الهيكلية في أوضاع الأجور والأمن الوظيفي للعاملين بالمرافق الصحية في المركز.

 

تجاهل الحد الأدنى للأجور وحقوق العاملات في منشأة حكومية

 

من زاوية حقوقية، يرى كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، أن عدم التزام عدد من الوزارات والهيئات الحكومية بالحد الأدنى للأجور المقرَّر بقرارات مجلس الوزراء يشكل انتهاكًا مباشرًا لحق العاملين في أجر كريم، موضحًا في كتاباته السابقة أن عمالًا كثيرين يتقاضون ما هو أقل بكثير من الحد الأدنى الرسمي، رغم وضوح القرارات التنفيذية التي تلزم جهات الدولة بعدم النزول عن أجر 7100 جنيه للدرجة السادسة.

 

في حالة عاملات النظافة بأشمون، فإن أجرًا لا يتجاوز 1300 جنيه، مع خصم 1000 جنيه من منحة اجتماعية مؤقتة، يعني فعليًا أن الدولة – ممثلة في الجهة الإدارية – لا تطبق قراراتها ذاتها، وتحمّل نساء يعملن في أدنى السلم الوظيفي أعباء عجز إداري ومالي لا يد لهن فيه، في بيئة عمل عالية الخطورة من ناحية التعرض للعدوى والملامسة اليومية للنفايات الطبية، وهي بيئة يتطلب العمل فيها مستويات أعلى من الحماية والأجر، لا أدنى.

 

المحامي والحقوقي خالد علي، الذي خاض معارك قضائية سابقة مرتبطة بالحد الأدنى للأجور، وصف في تصريحات موثقة تطبيق الحد الأدنى من قبل الحكومة بأنه «كذبة» حين يقتصر على ورق وبيانات رسمية ولا يصل إلى جيوب العاملين، مشيرًا إلى أن جوهر الفكرة هو أن يحصل كل عامل على أجر يضمن حياة كريمة، لا أن يظل القرار حبيس الجريدة الرسمية بينما تتقاضى فئات واسعة أجورًا شديدة التدني.

 

في ضوء هذه الخلفية، يرى مراقبون أن حالة عاملات النظافة بأشمون تمثل نموذجًا مكثفًا لهذا التناقض؛ قرارات عن حد أدنى للأجر و«حماية العمالة غير المنتظمة»، يقابلها واقع عملي يتضمن أجورًا تقل كثيرًا عن خط الفقر الوطني، واستخدام منحة طارئة يفترض أنها دعم اجتماعي كوسيلة لتخفيف عبء الأجور عن الجهة الإدارية على حساب العاملات.

 

تهديد بالفصل وحق في الاحتجاج والتنظيم النقابي

 

الاستغاثة التي نقلتها منصات إخبارية ومنظمات مهتمة بالشأن العمالي عن عاملات وعمال إدارة أشمون الصحية تحدثت عن تأخُّر المرتبات، إلى جانب الخصومات، في وقت تؤكد فيه المواثيق الدولية وقوانين العمل أن الأجر يجب أن يُدفع في مواعيد منتظمة، وأن تأخيره المتكرر يُعد انتهاكًا لحق العامل في الأمان الاقتصادي والاجتماعي، خصوصًا مع موجات التضخم وارتفاع كلفة المعيشة.

 

وفق شهادات العاملات، جرت محاولة منع تطور الوقفة الاحتجاجية نحو تصعيد قانوني أو نقابي، عبر التلويح بعدم تجديد التعاقد، أو إنهاء خدمة من تستمر في «الإثارة والاعتراض»، وهو ما يصطدم مع مبادئ الحق في التنظيم والتعبير عن المطالب المهنية، بل ويأتي في سياق قضائي أوسع شهد أحكامًا تقيد حق الإضراب عن العمل وتسمح بمجازاة العاملين المحتجين في المرافق العامة.

 

الحقوقي جمال عيد، المعروف بدفاعه عن حرية التنظيم والعمل الأهلي، يؤكد في مسيرته الحقوقية أن التضييق على النقابيين والعاملين المحتجين جزء من نمط أوسع لاستهداف المدافعين عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، موضحًا في مناسبات مختلفة أن الحق في الاعتراض السلمي داخل أماكن العمل والتفاوض على الأجر وظروف العمل جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان، وليس مجرد «تجاوز إداري» كما يُقدَّم في الخطاب الرسمي.

 

أما المحامي الحقوقي نجاد البرعي، صاحب الدور البارز في قضايا الحقوق والحريات وسيادة القانون، فيشدد في عمله وكتاباته على أن الدولة التي تُقِر على الورق التزامات بحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ثم تسمح في الواقع بممارسات تنتهك الحد الأدنى للأجور وتهدد العاملين بالفصل بسبب احتجاج سلمي، تكون بصدد تقويض الثقة في القانون ذاته، وتحويله إلى أداة شكلية لا تعود على الفئات الأضعف بأي حماية حقيقية.

 

في حالة عاملات النظافة بأشمون، تتقاطع كل هذه المؤشرات؛ أجر متدنٍ لا يقترب من الحد الأدنى الرسمي، خصم منحة يفترض أنها دعم إضافي، تأخُّر في صرف المرتبات، تهديد بالفصل لمن ترفع صوتها، وغياب واضح لأي آلية رقابية مستقلة تضمن التزام إدارة صحية حكومية بحقوق من يقمن بأحد أخطر وأهم الأعمال في منظومة الرعاية الصحية، وهو ما يجعل الوقفة الاحتجاجية الأخيرة علامة على أزمة أوسع في احترام حقوق العمالة الهشة داخل القطاع الحكومي نفسه، لا مجرد خلاف إداري عابر في وحدة صحية بإحدى مراكز المنوفية.