أشعل تصريح رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي بأن الدولة «تقدم أكثر من 60 مليون وجبة إفطار وسحور على مستوى الجمهورية» ضمن المبادرة الرئاسية «أبواب الخير» موجة غضب على منصات التواصل، بعدما اعتبر كثيرون أن هذه الوجبات ليست من «جيب الدولة» كما يُسوَّق إعلاميًا، بل من أموال التبرعات والضرائب والخصومات من مرتبات ومعاشات المواطنين، وأن الحكومة تستخدم فقر الناس لخدمة صورة سياسية و«شو» إعلامي بينما تتجاهل جوهر الأزمة المتمثل في انفجار الأسعار وغياب الرقابة الفعالة على الأسواق.

 

وجبات رئاسية على حساب من؟

 

وفق البيانات الرسمية، استعرضت وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي في اجتماع مجلس الوزراء منتصف فبراير 2026 تفاصيل مبادرة «أبواب الخير»، وأعلنت أن المستهدف يتراوح بين 60 و71 مليون وجبة إفطار وسحور داخل مصر، إضافة إلى أكثر من 5.5 مليون كرتونة مواد غذائية خلال رمضان، بالتعاون مع صندوق «تحيا مصر» وشبكة من المطابخ والجمعيات الأهلية، مع حديث حكومي متكرر عن «أكبر منظومة حماية اجتماعية» في تاريخ البلاد، في سياق حزم الحماية الاجتماعية المعلنة منذ 2014.

 

هذه الأرقام الضخمة لم تُستقبل بوصفها إنجازًا خالصًا، بل طرح كثير من النشطاء سؤالًا بسيطًا حول مصدر التمويل الفعلي؛ فصندوق «تحيا مصر» يقوم أساسًا على تبرعات الأفراد والشركات، إضافة إلى مساهمات من موارد الدولة، بينما تعتمد وزارة التضامن على موازنات عامة تأتي من الضرائب غير المباشرة والرسوم والاقتطاعات المختلفة، ما يعني أن المواطن هو الذي يدفع ثمن الوجبة مرتين، مرة عبر جيبه ومرة عبر إظهارها كمنحة من الرئاسة والحكومة، في بلد تعترف حكومته نفسها بأن برامج الدعم والإعانات جزء من «إدارة كلفة الإصلاح الاقتصادي» لا من تغيير هيكل السياسات المنتجة للفقر.

 

الإعلامي محمد ناصر التقط هذا التناقض في حلقته المعنونة «أبواب الخير في زمن الغلاء.. هل تكفي المبادرات لحماية كرامة المواطن؟»، متسائلًا عن جدوى مبادرات موسمية تُرفع فيها الكاميرات، بينما تتواصل موجات الغلاء وانهيار قيمة الجنيه، ويجد ملايين المصريين أنفسهم مضطرين للوقوف في طوابير وجبات مجانية بدل أن يكفل لهم الدخل العادل حياة كريمة بعيدًا عن منطق الإحسان.

 

 

كرامة الفقراء بين اللقطة والرقابة الغائبة

 

على منصة «إكس»، كتبت نجوى فكري تعليقًا لاقى تفاعلًا واسعًا، قالت فيه إن النظام «ذل المواطن»، وأن كثيرًا من المحتاجين لا تسمح لهم كرامتهم بالذهاب إلى تلك المبادرات، متسائلة عن دور الدولة في ضبط الأسواق وخفض الأسعار بدل الاكتفاء بالعروض التلفزيونية حول شنط ووجبات رمضان، ومستخدمة سؤالًا مباشرًا عن غياب مفتشي التموين والأجهزة الرقابية، بما يعكس شعورًا عامًّا بأن الحكومة تتهرب من مسؤوليتها التنظيمية لصالح مشهد خيري استعراضي.

 

 

قناة «الشرق» المعارضة طرحت السؤال نفسه في صيغة أخرى: «مبادرة أبواب الخير.. علاج لغلاء الأسعار ولا ضحك على الغلابة؟»، في إشارة إلى أن الأرقام المليونية لا تغير حقيقة أن السياسات الاقتصادية والضريبية والنقدية هي التي صنعت هذا الحجم من الفقر أصلًا، وأن إطعام الملايين يوميًا يعني ببساطة أن الملايين أنفسهم عاجزون عن تأمين وجبة من دخلهم الطبيعي، في اقتصاد يعلن رسميًا عن برامج إصلاح وهيكلة ودعم، بينما يبقى مؤشر الفقر متعدد الأبعاد في مستويات مرتفعة وفق دراسات جامعية ومراكز بحثية مستقلة.

 

 

المغرد محمد مصطفى نقل جانبًا أكثر تفصيلًا من هذا الغضب، متحدثًا عن خصومات غامضة بين 60 و100 جنيه من معاشات المتقاعدين خلال الشهرين الماضيين، مع عجز التأمينات والجهات الإدارية عن تقديم تفسير واضح، في رواية تعكس شعورًا متزايدًا لدى قطاعات من أصحاب المعاشات بأنهم يموّلون مبادرات لا يُسألون عنها ولا يملكون حق الرقابة عليها، وأن الحكومة تستخدم أدواتها الإدارية لتحويل جزء من دخولهم إلى صور خيرية مرئية.

 

 

خالد، أحد المعلقين على المنصة، رأى في رقم «60 مليون وجبة» مؤشرًا مباشرًا على حجم الفقر، أكثر منه إنجازًا اجتماعيًا.

 

 

بينما كتب حساب باسم «واحد من الشعب» أن معنى هذا الرقم هو أن «نصف الشعب مش لاقي ياكل»، في قراءة تعتبر الرقم اعترافًا غير مباشر من الحكومة بما آلت إليه أوضاع الدخل الحقيقي للمصريين بعد سنوات من التضخم وسياسات التقشف وتحرير سعر الصرف المتكرر.

 

 

مستخدم آخر باسم «وقال دوم» علّق بأن الحكومة على الأرجح تحتسب ما تقدمه الجمعيات الخيرية أصلاً ضمن أرقامها الرسمية عن «أبواب الخير»، وهو ما يتسق مع ما يعلنه صندوق «تحيا مصر» ووزارة التضامن عن الشراكة مع المجتمع المدني، لكنه يطرح سؤالًا عن حدود الفصل بين ما تموّله الدولة وما يقدمه المتبرعون

 

 

بينما ذهب أبو يوسف إلى أبعد من ذلك في لهجة شديدة الحدة، معتبرًا أن عبارة «نقدم» تعني أن السلطة تستولي على جيب المواطن، ووصف الحكومة بأنها «سطت على السلطة» وتتصرف كحكومة احتلال بلا تفويض اجتماعي حقيقي.

 

 

خبراء: مبادرات موسمية لا تعالج الفقر البنيوي ولا تغني عن دولة عادلة

 

وراء هذا الغضب الشعبي، تقف أسئلة أعمق حول نموذج الحماية الاجتماعية نفسه في مصر. أستاذة العلوم السياسية هويدا عدلي، في دراستها «الحماية الاجتماعية في مصر: الحق المنتقص»، تؤكد أن برامج الحماية تصبح أكثر أهمية في أزمنة التقشف، لكنها تشير إلى أن المنظومة المصرية تعاني قصورًا يجعل الحق في الحماية الاجتماعية غير مكتمل، وأن الاعتماد على أدوات جزئية لا يعوض آثار السياسات الاقتصادية التي توسع قاعدة الفقر أصلاً.

 

الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، في دراسته «واقع ومستقبل الحماية الاجتماعية وسياسات الدعم والضمان الاجتماعي في مصر» الصادرة عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يلفت إلى أن برامج الدعم العيني مثل بطاقات التموين تخفف حدة الفقر بنسبة تتجاوز 10% تقريبًا، لكنه يربط فعاليتها باستمرار وجود دعم حقيقي للأسعار ودخل لائق، ويشير إلى أن الضغوط التقشفية والالتزامات تجاه مؤسسات التمويل الدولية حدّت من قدرة الدولة على تقديم حماية شاملة، ما يجعل المبادرات الموسمية، مهما كبر حجمها، عاجزة عن تعويض هذا الخلل.

 

في دراسة أخرى عن «العمل الخيري وأثره في الحد من معدلات الفقر في مصر»، يوضح الباحث محمد رمضان حسن الطباخ أن العمل الخيري يلعب دورًا في تخفيف المعاناة، لكنه يتحرك في إطار بنية فقر تنتجها عوامل هيكلية تتعلق بالنمو غير المتكافئ، وضعف العدالة في توزيع الدخل والعبء الضريبي، وأن الجمعيات مهما توسعت لا تستطيع وحدها تعويض غياب سياسات تنموية شاملة تُعيد توزيع الموارد وتضمن حدًا أدنى من الأمان الاجتماعي.

 

ومن زاوية قانونية، يناقش الدكتور عبده العشري، في دراسة عن «سياسات الحماية الاجتماعية في ضوء الوثائق الدولية والتشريع المصري»، الفرق بين الحماية الاجتماعية كـ«منحة» تقدمها السلطة وبين اعتبارها «حقًا» ملزمًا للدولة، ويشير إلى أن الالتزام بالمواثيق الدولية يعني بناء منظومة دائمة وممولة ومستقرة، لا الاكتفاء بمبادرات ظرفية تُستخدم لتجميل آثار سياسات اقتصادية قاسية، خاصة عندما يكون تمويل جزء من هذه المبادرات آتيًا من نفس الفئات التي يُفترض حمايتها عبر الضرائب غير المباشرة والرسوم والتبرعات الإلزامية.

 

في ضوء هذه القراءات، تبدو مبادرة «أبواب الخير» نموذجًا مكثفًا لسياسة تُكثر من الكلام عن ملايين الوجبات والكراتين، لكنها لا تجيب عن سؤال أساسي يطرحه مواطنون وخبراء على حد سواء: لماذا يحتاج هذا العدد الهائل من المصريين إلى وجبة مجانية أصلًا، بدل أن تكفل لهم الدولة، عبر أجر عادل ورقابة صارمة على السوق وسياسات ضريبية منصفة، القدرة على شراء طعامهم بكرامتهم دون أن يقفوا أمام كاميرا أو يحملوا كرتونة عليها شعار السلطة؟