في الذاكرة الإسلامية أيامٌ تتكاثف فيها الوقائع الكبرى، ويأتي السابع من رمضان في مقدمتها؛ يومٌ ارتبط بولادة منارة علمٍ ما زالت قائمة، وبسط نفوذ بحري غيّر موازين المتوسط، وصعود سلطانٍ بلغ ذروة المجد قبل أن تطيح به عاصفة المغول. بين القاهرة وسواحل أوروبا، ومن خراسان إلى بحر قزوين، تتقاطع في هذا اليوم حكايات القوة والعلم والتحول.
مولد منارة العلم: الجامع الأزهر
في السابع من رمضان سنة 361هـ/970م ارتفع أول أذان من فوق مآذن الجامع الأزهر في القاهرة، إيذانًا بميلاد صرحٍ ديني وعلمي تجاوز عمره الألف عام.
شُيّد الأزهر في ظل الدولة الفاطمية، لكنه سرعان ما تحوّل عبر القرون إلى قبلةٍ لطلاب العلم في العالم السني، ومركز إشعاعٍ فقهي ولغوي وفكري امتد أثره من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب.
لم يكن الأزهر مجرد مدرسة أو مسجد؛ بل مؤسسة شكلت وجدان المصريين والمسلمين. من أروقته خرج العلماء، وفي ساحاته احتشدت المواقف الوطنية. وعلى منبره دوّى الرفض الشعبي للحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت أواخر القرن الثامن عشر، حين أصبح الأزهر مركزًا للمقاومة المدنية والسياسية، قبل أن يستعيد دوره التعليمي الرائد في العصر الحديث.
على مدى قرون، صمد الأزهر أمام تبدّل الدول وتغيّر المذاهب والصراعات، محافظًا على مكانته كمرجعية علمية كبرى، وكمؤسسة لعبت دورًا محوريًا في صياغة الخطاب الديني الوسطي، وفي تخريج أجيال من العلماء والقضاة والمصلحين.
“أسد المتوسط”.. العثمانيون يحررون الأسرى
وفي السابع من رمضان سنة 960هـ/1553م، كان البحر المتوسط على موعد مع تحرك عسكري لافت قاده القبطان العثماني تورغوت ريس، أحد أبرز قادة الأسطول في عهد السلطان سليمان القانوني.
جاء التحرك في سياق تحالف تكتيكي مع فرنسا ضد قوى أوروبية، أبرزها النمسا وجنوى، في مرحلة كان فيها المتوسط ساحة صراع مفتوح بين العثمانيين وتحالفات أوروبية متشابكة.
تمكّن الأسطول العثماني من السيطرة على جزيرة كورسيكا، وهاجم مدينة كاتانيا في صقلية، لكن الهدف الأبرز لم يكن مجرد توسيع النفوذ، بل تحرير آلاف الأسرى المسلمين الذين كانوا يُستعبدون في سجون وقلاع جنوى وإسبانيا.
وتشير المصادر إلى أن نحو سبعة آلاف أسير عادوا محررين إلى شمال أفريقيا، في عملية عززت صورة العثمانيين كقوة بحرية ضاربة.
واصل تورغوت ريس مسيرته العسكرية حتى وفاته عام 972هـ/1565م خلال حصار مالطا، حين أُصيب بشظية مدفع وهو يقود الهجوم في الثمانين من عمره تقريبًا. مثّلت وفاته خسارة كبيرة للدولة العثمانية، وقيل إن خبر رحيله أثار حزنًا بالغًا في إسطنبول، مقابل ارتياح واضح في بلاطات أوروبا التي رأت فيه خصمًا عنيدًا.
خوارزم شاه.. مجدٌ يسبق السقوط
وفي اليوم ذاته من عام 596هـ/1200م، كان السلطان علاء الدين خوارزم شاه يرسّخ أقدامه كأحد أقوى حكام عصره، بعد أن ورث دولة خوارزم عن والده السلطان تكش، وحوّلها من قوة إقليمية محدودة إلى إمبراطورية مترامية الأطراف.
استغل خوارزم شاه ضعف السلاجقة في إيران، فاجتاح خراسان وسيطر على أقاليم الجبال، بما فيها همذان وأصفهان والري، وامتد نفوذه إلى غزنة وأجزاء واسعة من أفغانستان. وبحلول عام 612هـ/1215م، بلغت دولته أقصى اتساعها، من حدود الهند شرقًا إلى مشارف العراق والأناضول غربًا، ومن بحر قزوين شمالًا إلى بحر العرب جنوبًا. حمل لقب “السلطان المعظم”، وامتلك جيشًا ضخمًا قُدّر بمئات الآلاف.
غير أن ذروة القوة كانت مقدمة لانهيار مدوٍّ. فمحاولته تقويض مكانة الخليفة العباسي في بغداد أضعفت الجبهة الداخلية، ثم جاءت حادثة “أترار” لتفتح أبواب الكارثة؛ إذ قُتلت قافلة تجارية مغولية، وأُعدم رسل جنكيز خان الذين طالبوا بالقصاص. لم تمض سنوات حتى اجتاح المغول مدن بخارى وسمرقند، وانهارت الدولة الخوارزمية تحت ضربات الإعصار المغولي.
فرّ السلطان الذي حكم نصف آسيا تقريبًا، وتوفي عام 617هـ/1220م في جزيرة ببحر قزوين، بعد أن تبدد ملكه وتفرّق جيشه، في نهاية مأساوية تجسد كيف يمكن لقرار سياسي خاطئ أن يغيّر مسار أمة بأكملها.

