أعرب وزراء خارجية مصر والسعودية وفلسطين والأردن وقطر وتركيا وعدة دول أوروبية وأمريكية لاتينية، إلى جانب جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، عن إدانة شديدة لسلسلة القرارات الإسرائيلية الأخيرة التي تستهدف توسيع السيطرة غير القانونية على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، معتبرين أن هذه الخطوات تمثل مسارًا متعمدًا نحو ضم فعلي للأرض المحتلة وتقويضًا مباشرًا لأي أفق حقيقي لحل سياسي عادل.
توسعات استيطانية و"أراضي دولة إسرائيل"
البيان المشترك أوضح أن القرارات الإسرائيلية تشمل حزمة واسعة من الإجراءات، تبدأ بإعادة تصنيف مساحات من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية على أنها "أراضي دولة إسرائيل"، وتمتد إلى تسريع النشاط الاستيطاني غير القانوني وتعزيز الإدارة الإسرائيلية على هذه المناطق بشكل يبدّل طبيعتها القانونية والديموغرافية، ويغلق مساحات إضافية أمام إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة في المستقبل.
هذه التوسعات لا تتوقف عند حدود مستوطنات قائمة، بل تشمل مشاريع جديدة في مناطق حساسة، منها المنطقة الشمالية من القدس الشرقية ومواقع تقع في قلب التجمعات الفلسطينية، بما يجعل التقسيم الجغرافي أكثر تعقيدًا، ويفرض واقعًا ميدانيًا يصعب التراجع عنه سياسيًا إذا استمر دون رد عملي من المجتمع الدولي.
انتهاك صارخ للقانون الدولي والرأي الاستشاري لمحكمة العدل
الوزراء والجهات الدولية الموقّعة أكدوا أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة غير قانونية من حيث المبدأ، وأن أي قرارات تهدف إلى توسيعها أو شرعنتها داخليًا تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ولقرارات مجلس الأمن ذات الصلة التي تؤكد عدم شرعية الاستيطان وعدم الاعتراف بأي تغييرات أحادية الجانب على خطوط 1967.
كما أشار البيان صراحة إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024، والذي شدد على عدم قانونية الضم الفعلي أو الزاحف، واعتبر أن الإجراءات التي تغيّر الوضع القانوني للأرض المحتلة تخالف التزامات الدول بعدم الاعتراف أو المساعدة في ترسيخ وضع غير مشروع. في هذا السياق، اعتبر الموقعون أن القرارات الأخيرة جزء من "مسار واضح" يستهدف تغيير الواقع على الأرض بصورة تدريجية، بما يؤدي إلى ضم فعلي غير مقبول يتجاوز كل الأطر التفاوضية، ويقوض الجهود القائمة لتحقيق السلام والاستقرار، بما فيها المبادرات المرتبطة بغزة وخطط إعادة الإعمار والاندماج الإقليمي.
دعوة للتراجع الفوري ومواجهة عنف المستوطنين
البيان دعا حكومة إسرائيل إلى التراجع الفوري عن هذه القرارات، واحترام التزاماتها الدولية، والامتناع عن أي إجراءات تحدث تغييرات دائمة في الوضع القانوني والإداري للأرض الفلسطينية المحتلة، سواء عبر التصنيف الأحادي للأراضي أو توسيع صلاحيات المستوطنات أو فرض أنظمة جديدة تخدم مشروع الضم الزاحف.
إلى جانب ذلك، شدد الوزراء على خطورة التصعيد في الضفة الغربية، وطالبوا بوقف عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، مع التأكيد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات وعدم الاكتفاء ببيانات تهدئة أو إجراءات شكلية، لأن استمرار الاعتداءات يكرس منطق الإفلات من العقاب ويحوّل حياة السكان الفلسطينيين إلى حالة استنزاف يومي، ما يغذي دورة أوسع من التوتر والعنف. الدول المشاركة تعهدت في النص باتخاذ "خطوات ملموسة" وفق القانون الدولي للتصدي لتوسع المستوطنات وسياسات التهجير القسري والضم، في إشارة إلى إمكانية اللجوء إلى أدوات سياسية وقانونية واقتصادية، دون تفصيل علني لطبيعتها.
القدس والوصاية الهاشمية وعائدات الضرائب المحتجزة
مع حلول شهر رمضان، أكد البيان أهمية الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس وأماكنها المقدسة، والاعتراف بالدور الخاص للوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، باعتباره عنصرًا أساسيًا في استقرار المدينة وحماية هويتها من محاولات التهويد وتغيير التركيبة السكانية.
أدان الوزراء الانتهاكات المتكررة للوضع القائم في القدس، معتبرين أنها تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي في لحظة شديدة الحساسية دينيًا وسياسيًا، حيث يمكن لأي استفزاز في الحرم القدسي أو محيطه أن يشعل موجات جديدة من التوتر تتجاوز حدود فلسطين نفسها. كما طالب البيان إسرائيل بالإفراج الفوري عن عائدات الضرائب المحتجزة المستحقة للسلطة الفلسطينية، وتحويلها وفقًا لبروتوكول باريس، باعتبار أن هذه الأموال تمثل شريانًا حيويًا لتقديم الخدمات الأساسية للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وأن حجزها واستخدامها كأداة ضغط سياسي يفاقم الأزمة الإنسانية والمؤسسية داخل الأراضي المحتلة ويهدد بزعزعة ما تبقى من قدرة السلطة على أداء وظائفها المدنية.
حل الدولتين كشرط للسلام والاندماج الإقليمي
في ختام البيان، جدّد الوزراء والمنظمات تأكيد التزامهم التام بتحقيق سلام عادل وشامل ودائم في الشرق الأوسط على أساس حل الدولتين، بما يتماشى مع مبادرة السلام العربية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وعلى أساس خطوط 4 يونيو 1967، مع إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وديمقراطية تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل.
أشار النص إلى إعلان نيويورك بوصفه إطارًا سياسيًا يؤكد أن إنهاء الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني ليس خيارًا هامشيًا، بل شرطًا حتميًا لتحقيق الاستقرار والاندماج الإقليمي الحقيقي، وأن أي حديث عن تعاون اقتصادي أو ترتيبات أمنية إقليمية واسعة سيظل هشًا ما دام الفلسطينيون محرومين من حقوقهم الأساسية في تقرير المصير وإقامة دولتهم. بهذا المعنى، يربط البيان بين رفض التوسع الاستيطاني ورفض الضم من جهة، وبين الدفاع عن إمكانية التعايش بين شعوب المنطقة من جهة أخرى، مؤكدًا أن الطريق إلى هذا التعايش يمر عبر وقف الاستيطان، وإنهاء الاحتلال، وبناء إطار سياسي وقانوني يضمن للفلسطينيين دولة كاملة الحقوق لا كيانًا منقوص السيادة على أرض مقطعة الأوصال.

