منذ تولي أحمد الأنصاري مسؤولية محافظة الفيوم، ظل الشعور الغالب لدى قطاعات واسعة من المواطنين أن ما يُقال في التصريحات شيء، وما يُرى في الشارع شيء آخر تمامًا. بدا أن اللغة الرسمية مليئة بالوعود والحديث عن «خطط» و«مشروعات» و«رؤية»، بينما الواقع اليومي لم يلمس تغيّرًا جوهريًا في مستوى الخدمات أو في شكل المدينة وحياتها. الناس لم تكن تطلب معجزات، بل كانت تنتظر حدًّا أدنى من الانضباط في إدارة الملفات الأساسية: نظافة، طرق، مساحات خضراء، مشاريع خدمية تعيد للفيوم مكانتها كمدينة لها طابع خاص.
ومع مرور الوقت، تحولت خيبة الأمل إلى إحساس عام بأن المحافظة تدار بعقلية رد الفعل لا المبادرة، وبالبحث عن أعذار أكثر من البحث عن حلول حقيقية، وهو ما عبّرت عنه تقارير صحفية وشهادات محلية عدّة، من بينها ما نشرته «المصري اليوم» عن غضب الأهالي وتدهور سواقي الفيوم.
المشكلة لم تكن في الخطاب فحسب، بل في غياب مشروع متكامل يشعر به المواطن العادي في حيه وشارعه وبيئته. ما رآه الناس هو أن الأزمات ذاتها تتكرر وتتضخم، بينما تتغير فقط طريقة الحديث عنها. هذا الفارق بين الصورة التي تُقدَّم في الإعلام والواقع الذي يعيشه الأهالي عمّق الفجوة بين المواطن والإدارة المحلية، وخلق انطباعًا بأن الفيوم تسير بلا بوصلة واضحة، وأن ما يجري هو عملية إدارة يومية للأزمات لا أكثر، دون رؤية طويلة المدى تعيد بناء المدينة وتحمي هويتها.
تجريف المساحات الخضراء وتشويه هوية المدينة
واحدة من أكثر النقاط التي أثارت غضب أهالي الفيوم هي ما جرى لمساحاتها الخضراء وحدائقها العامة وأماكنها المفتوحة. المدينة التي ارتبطت في الوجدان المصري بطبيعة هادئة، ونخيل، وبحيرات، ومساحات تنفّس للناس، بدأت تفقد تدريجيًا هذه الملامح لمصلحة توسع في الخرسانة والأرضيات الصلبة والأكشاك والاستغلال التجاري المبالغ فيه. المسألة لم تكن مجرد «تطوير» كما قيل، بل أقرب إلى تجريف بطيء لروح المدينة، حيث يُزال الغطاء النباتي دون تعويض حقيقي أو تصور واضح لكيفية الحفاظ على التوازن البيئي والجمالي، وهو ما وثّقته منشورات وتقارير محلية أشارت إلى فقدان نسبة كبيرة من الحدائق والمساحات الخضراء في المدينة خلال سنوات قليلة.
الناس رأت بعينها كيف تقل
صت الحدائق، وكيف تحوّلت مناطق كانت خضراء إلى مساحات مغلقة أو مشروعات بلا روح، لا تضيف جمالًا ولا تضمن خدمة حقيقية للمواطن. كل ذلك عمّق شعورًا بأن هوية الفيوم تُشوَّه تحت شعار «التطوير»، بينما جوهر التطوير الحقيقي هو الحفاظ على البيئة وتحسين نوعية الحياة، لا استبدال الشجر بالأسمنت ثم المطالبة بالتصفيق. كان من الطبيعي أن يتساءل الأهالي: أين خطة الحفاظ على ما تبقى من طابع المدينة؟ أين الرؤية التي تضع المساحات الخضراء كخط أحمر لا يُمس؟ إدارة تحترم مدينتها كانت ستتعامل مع هذا الملف بشفافية، تعرض للناس ما تنوي فعله، وتلتزم بمعايير واضحة لحماية البيئة الحضرية والهوية البصرية للفيوم.
القمامة والممشى والطرق.. أزمات تُرحَّل ولا تُحل
ملف القمامة كان أحد العناوين اليومية للإهمال في نظر كثيرين من سكان الفيوم. لم تكن المشكلة مستحيلة، ولم يكن الناس يطالبون بمستوى مثالي، لكنهم كانوا ينتظرون منظومة نظافة تحترم كرامتهم في الشوارع والميادين. ما حدث في المقابل هو أن تكدس القمامة في مناطق عدة أصبح مشهدًا مألوفًا، تتدخل الأجهزة لمواجهته بشكل متأخر وموضعي، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه. هذا الأسلوب عزز الانطباع بأن الإدارة تتعامل مع المشكلة بوصفها عبئًا يجب تسكينه، لا فرصة لإعادة تنظيم المنظومة من جذورها، من جمع ونقل ومعالجة، وصولًا إلى توعية ومشاركة مجتمعية حقيقية، وهو ما انعكس في شهادات منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي توثّق استمرار أزمة النظافة في الأحياء المختلفة.
الأمر نفسه انسحب على ممشى الفيوم، الذي كان من الممكن أن يكون مشروعًا مميزًا يعيد للمدينة جزءًا من روحها السياحية والخدمية. بدلًا من أن يصبح متنفسًا أنيقًا للعائلات والشباب، تحوّل الممشى مع الوقت إلى مساحة متعبة، مهجورة في أجزاء، تتراجع فيها الصيانة، وتنتشر حولها المخالفات والاستغلال العشوائي. غابت الرؤية التي تجعل من هذا المكان نقطة جذب، وحضرت بديلًا عنها حالة من التركيز على الشكل في البداية، ثم تركه يواجه مصيره بلا إدارة ولا متابعة.
أما الطرق والشوارع والأرصفة، فهي حكاية أخرى معروفة لسكان الفيوم. حفر لا تُرمَّم كما يجب، مطبات عشوائية، أرصفة تختفي أو تُحتل، ومسارات مرورية مربكة تجعل حركة الناس اليومية معاناة متجددة. المواطن يدفع ثمن هذا الوضع في صحته بسبب الأتربة وسوء التخطيط، وفي وقته بسبب الزحام والفوضى، وفي إحساسه بالأمان على أسرته وأطفاله في الشوارع. كان من الممكن وضع البنية الأساسية في مقدمة الأولويات، لكن ما جرى أعطى الانطباع بأن هذه الملفات تُدار بمنطق التأجيل والترحيل من موسم إلى آخر، لا بمنطق الحسم والإنجاز.
تجربة تُقيَّم بالنتيجة لا بالنوايا
في النهاية، ما يُقال عن تجربة أحمد الأنصاري في الفيوم ليس خلافًا شخصيًا أو «تنمرًا سياسيًا»، كما يحلو للبعض أن يصف أي انتقاد. ما يعبّر عنه الناس اليوم هو خلاصة سنوات عاشوها في مدينتهم، رأوا خلالها كيف تراجعت المساحات الخضراء، وكيف تراكمت القمامة، وكيف تعطلت مشاريع كان يمكن أن تمنح الفيوم فرصة أفضل، وكيف تدهورت حالة الشوارع والبنية الأساسية بدلًا من أن تتحسن. المسؤول يُحاسَب في النهاية على ما أنجزه على الأرض، وعلى قدرته على حماية مدينته وتحسينها، لا على عدد التصريحات أو حجم الوعود.
ومع انتقال أحمد الأنصاري من الفيوم إلى الجيزة، عاد النقاش حول هذه التجربة إلى الواجهة عبر منصات صحفية وحقوقية ومجتمعية، من بينها حسابات توثّق بالأرقام والصور حصيلة سبع سنوات في الفيوم، وما خلّفته من تآكل للمساحات الخضراء واستمرار لأزمة القمامة والبنية الأساسية.
عندما يشعر المواطن أن محافظته فقدت جزءًا من روحها وخضرتها، وأن ملامحها التي أحبها بدأت تختفي تحت طبقات من الإهمال والتجريف، يصبح التغيير بالنسبة له خبرًا يُستقبل بالارتياح لا بالحزن. ليس لأن الناس تميل إلى العداء مع الأشخاص، بل لأنهم يريدون فرصة جديدة لنهج مختلف في الإدارة، يضع أولوياتهم في المقدمة، ويحمي ما تبقى من هوية الفيوم وحقها في أن تكون مدينة نظيفة، حية، تحترم تاريخها وسكانها في آن واحد.

