خلال الأيام الماضية انتشرت على منصات التواصل روايات تزعم “اختفاء” رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، وذهب بعضها إلى الحديث عن إصابته بجلطة أو تدهور صحي مفاجئ. جزء من انتشار القصة ارتبط أيضًا بتأجيل زيارات دبلوماسية كانت مقررة إلى أبوظبي، وهو ما غذّى التأويلات وفتح باب التكهنات.
في مثل هذه الحالات، الشائعة لا تنتشر لأنها “مقنعة” بالضرورة، بل لأنها تجد بيئة جاهزة: نقص معلومات تفصيلية، اعتماد على لقطة أو تسريب أو منشور، ثم إعادة تدوير مكثفة بين حسابات ومواقع تبحث عن التفاعل. بعض المواقع العربية تعاملت مع الأمر باعتباره “حقيقة” أو “وفاة” أو “جلطة مؤكدة” مع اعتراف ضمني بأن لا تأكيد رسمي قاطع.
لكن الفكرة الأهم هنا ليست “صحة الخبر”، بل لماذا يصبح خبر كهذا قابلًا للتصديق لدى جمهور واسع؟ الإجابة غالبًا أن الشفافية الرسمية في المنطقة—ليس في الإمارات فقط—تُدار بمنطق الرسائل المصقولة والبيانات العامة، لا بمنطق المعلومات السريعة التي تقطع الطريق على الشائعات. عندما يتأخر التوضيح، أو يأتي بصيغة بروتوكولية، يتحول الفراغ إلى مساحة تُملأ بالتهويل، ثم تبدأ موجة ثانية: استثمار سياسي من خصوم السياسات الإماراتية الإقليمية.
ماذا نعرف فعليًا: ظهور رسمي ومواد إعلامية تقطع جزئيًا طريق التكهنات
على مستوى الوقائع القابلة للتحقق، ظهرت مؤشرات رسمية على استمرار النشاط العام. تقارير إعلامية أشارت إلى أن محمد بن زايد ظهر في لقاء مع السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، واعتُبر ذلك “أول ظهور” بعد موجة شائعات الصحة، مع تداول مقطع نشرته جهة رسمية إماراتية.
كذلك تُظهر صفحة “الأخبار والإعلام” الرسمية الخاصة بمحمد بن زايد نشر أخبار واتصالات ولقاءات مؤرخة في منتصف فبراير 2026 (مثل اتصال مع رئيس وزراء اليونان، واتصال مع الرئيس التركي، ولقاء مع أمير قطر).
هذا لا يعني أن الجمهور “ملزم” بتصديق كل ما ينشر رسميًا، لكنه يعني شيئًا واضحًا من الناحية المهنية: لا يوجد حتى الآن دليل علني موثوق يثبت رواية الجلطة، وفي المقابل توجد إشارات منشورة رسميًا وإعلاميًا لظهور نشاط يتعارض مع روايات “الاختفاء الكامل”.
كما أن بعض ما أُثير بدأ من رسائل على منصات التواصل ثم حُذفت سريعًا (مثل حديث عن “مشكلة صحية” في سياق تأجيل زيارة)، ما يعكس ارتباكًا معلوماتيًا لا يصلح أساسًا للبناء عليه كحقيقة نهائية.
الخلاصة هنا: المتداول “شائعة سياسية-إعلامية”، والرد الأكثر اتزانًا ليس تبني الشائعة ولا نفيها بلا دليل، بل طلب معيار بسيط: بيانات طبية أو توضيحات رسمية محددة، أو استمرار الظهور العام الموثق بوقائع مستقلة.
لماذا ربطت بعض الشعوب الشائعة بـ“دعوات للخلاص” من سياساته؟
الشق الثاني في حديثك “دعوات الشعوب العربية المتضررة من سياساته للخلاص” يعكس بوضوح أن المسألة ليست صحية فقط، بل سياسية.
كثير من الجدل العربي حول الإمارات يرتبط بدورها الإقليمي: علاقات وتحالفات، ملفات صراعات، وتدخلات أو تأثيرات تُرى من قطاعات عربية على أنها أضرت بمسارات ثورات أو تحولات سياسية، بينما يراها آخرون “سياسات استقرار” أو “مكافحة فوضى”.
هذا الاستقطاب يجعل أي خبر عن رأس السلطة حتى لو كان شائعة مادة جاهزة للتعبئة العاطفية.
وهنا تأتي نقطة نقد حادة ولكنها واقعية: عندما تُبنى السياسات الخارجية على النفوذ والمال والتحالفات الأمنية أكثر من بناء جسور قبول شعبي عربي، يصبح الرصيد الشعبي هشًا. وعندما تُغلق قنوات النقاش الداخلي وتُختزل السياسة في دوائر ضيقة، يتسع دور السوشيال ميديا كـ“محكمة رأي عام” بلا ضوابط فتتحول الشائعة إلى “تعويض” عن غياب المجال العام.
وبالمقابل، الأنظمة التي تتعامل مع الرأي العام العربي كأنه تفصيل يمكن تجاوزه عبر العلاقات الدولية والصفقات، تكتشف عند أول موجة شائعة أن القبول لا يُشترى، وأن الغضب حين يتراكم يبحث عن أي شرارة ليظهر.
وأخيرا فانه حتى هذه اللحظة،فان رواية “اختفاء بن زايد” و”الجلطة” تبدو أقرب إلى موجة شائعات غذّتها تأجيلات دبلوماسية وفراغ معلوماتي، قبل أن تظهر مؤشرات رسمية وإعلامية على نشاط ولقاءات تقلل من وزن سردية “الغياب التام”.
لكن الأعمق من الشائعة هو درسها: المنطقة التي تُدار فيها السياسة بقدر كبير من الغموض، وتُحاصر فيها المحاسبة والشفافية، ستظل بيئة مثالية لتكاثر الشائعات وستظل كل شائعة فرصة لتصفية حسابات سياسية. والنجاة من هذا ليست في منع الكلام، بل في وضوح المعلومات، وفي سياسات تحترم شعوب المنطقة بدل أن تراهن على أنها ستصمت إلى الأبد.

