يواجه آلاف مزارعي قصب السكر في صعيد مصر أزمة متصاعدة بسبب تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ بداية موسم التوريد الحالي أواخر ديسمبر الماضي، رغم تعهدات رسمية بصرف الأموال خلال ساعات من تسليم المحصول.
ومع اقتراب شهر رمضان وارتفاع الالتزامات المعيشية، تحولت الأزمة من شكوى موسمية معتادة إلى حالة غضب حقيقية بين الموردين، الذين يحمّلون الحكومة مسؤولية تعثر السداد وغياب الشفافية بشأن موعد واضح للصرف، في وقت تؤكد فيه مصادر بوزارة التموين أن الأزمة تعود لعدم توفير الاعتمادات المالية من وزارة المالية حتى الآن.
من ديسمبر لحد دلوقتي.. وعود الحكومة واقفة عند الكلام
منذ انطلاق موسم توريد القصب نهاية ديسمبر، سمع المزارعون تصريحات رسمية تؤكد التزام الدولة بصرف مستحقاتهم خلال ساعات قليلة من التوريد، باعتبار ذلك حافزًا لضمان انتظام الإمدادات ودعم الفلاحين. لكن الواقع، بحسب الموردين، جاء عكس تلك الوعود تمامًا.
فحتى منتصف فبراير، لم يحصل عدد كبير من المزارعين على أي مستحقات مالية، رغم استمرار عمليات التوريد اليومية لمصانع السكر الحكومية. ويؤكد مصدر مطلع بوزارة التموين أن السبب الرئيسي للأزمة هو عدم توفير وزارة المالية الاعتمادات اللازمة لصرف الأموال، ما وضع الوزارة والشركات التابعة لها في موقف حرج أمام الموردين.
هذا التناقض بين التصريحات الرسمية والواقع على الأرض خلق حالة من فقدان الثقة لدى المزارعين، خاصة أن الحكومة أعلنت أكثر من مرة أن منظومة التوريد الجديدة تهدف إلى تسريع السداد ومنع تكرار أزمات السنوات الماضية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
قبل رمضان.. المزارع تحت ضغط العمال والديون
مع اقتراب شهر رمضان، تضاعفت الأزمة بشكل واضح، إذ يعتمد كثير من العمال الزراعيين على أجورهم اليومية المرتبطة بسداد مستحقات المزارعين من المصانع الحكومية. ويقول عدد من موردي القصب إن العمال يطالبون برواتبهم منذ أسابيع، بينما لا يمتلك المزارعون السيولة الكافية بسبب تأخر الصرف.
في مناطق مثل كوم أمبو بأسوان وقنا والأقصر، بات المزارعون في موقف صعب بين التزاماتهم تجاه العمال ومصاريف الزراعة المتزايدة من ناحية، وانتظار أموالهم غير محددة الموعد من ناحية أخرى. ويؤكد موردون أن بعضهم اضطر للاستدانة لتغطية النفقات الأساسية، بينما يفكر آخرون في تقليل زراعة القصب مستقبلًا.
الأزمة لا تتوقف عند الضغوط الاجتماعية فقط، بل تمتد إلى قرارات زراعية طويلة المدى؛ إذ بدأ بعض المزارعين بالفعل التحول إلى زراعة القمح بدلًا من القصب، باعتباره محصولًا أسرع في تحصيل العائد وأقل مخاطرة من حيث تأخر المدفوعات الحكومية.
شبح أزمة الموسم الماضي يعود.. والمزارعون يلوّحون بوقف التوريد
المخاوف الحالية تعود جزئيًا إلى تجربة الموسم الماضي، حين استمر صرف المستحقات حتى سبتمبر، رغم انتهاء موسم التوريد رسميًا في مايو، وهو ما اعتبره المزارعون سابقة خطيرة أثرت على قدرتهم المالية طوال العام.
ومع تكرار التأخير هذا الموسم، بدأ بعض الموردين التلويح بخطوات تصعيدية، أبرزها وقف توريد القصب لمصانع السكر الحكومية إذا لم يتم صرف المستحقات قبل 25 فبراير الجاري. ويقول مزارعون إن المشكلة لم تعد فقط في التأخير، بل في غياب جدول زمني واضح يمنحهم القدرة على التخطيط المالي.
في المقابل، تلقت جهات حكومية عدة شكاوى رسمية من جمعيات المزارعين، شملت رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارتي التموين والزراعة، إضافة إلى مجلس النواب، للمطالبة بالتدخل العاجل.
وتزداد حدة الأزمة رغم استمرار تشغيل مصانع السكر الثمانية التابعة لشركة السكر والصناعات التكاملية في محافظات الصعيد، والتي استلمت نحو 1.8 مليون طن قصب حتى الآن وأنتجت قرابة 180 ألف طن من السكر الأبيض، ما يعني أن عجلة الإنتاج تسير بشكل طبيعي، بينما تتعطل فقط مدفوعات الموردين.
في ظل هذه المعطيات، يرى مزارعون أن الأزمة لم تعد مالية فقط، بل إدارية أيضًا، نتيجة غياب التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية. وبينما تنتظر المصانع التمويل، ينتظر الفلاحون أموالهم، ويبقى السؤال الأهم: إلى متى يظل المزارع الحلقة الأضعف في منظومة الإنتاج

