أدانت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومؤسسة سيناء لحقوق الإنسان ما وصفتها بأ "المحاكمات المجحفة التي واجهها متهمون خلال العام الماضي، بخاصة أمام محاكم جنايات بدر -المعروفة بدوائر الإرهاب.
وقالت إن هذه المحاكمات تفتقر إلى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي كفلها الدستور المصري.
وأبدت المنظمات الثلاث قلقها من استمرار السلطات المصرية في الضرب بمقومات المحاكمات العادلة عرض الحائط، والتي تٌهدد المتهمين وممارسي المهنة القانونية على حد سواء، وتقوض أسس العدالة، ودولة القانون، والتقاضي في مصر.
ويشمل التقرير الذي رصده محامون ومعنيون بمتابعة المحاكمات خلال الفترة ما بين سبتمبر 2024 وديسمبر 2025، ما لا يقل عن 59 قضية، يواجه المتهمون فيها جملة من الاتهامات السياسية المعتادة، وهي؛ الانضمام لجماعة إرهابية – الإخوان المسلمين أو داعش- وتمويلها، ونشر أخبار كاذبة، أو التحريض على نشر أفكار متطرفة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو التحريض على ارتكاب جرائم إرهابية، أو التخطيط لارتكاب أعمال إرهابية، تم تسمية بعضها مثل استهداف المنشآت العامة، وأضيف لها كذلك اتهامات مثل إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والإضرار بالاقتصاد القومي، وحيازة مفرقعات.
وفقًا للتقرير، فإن هذه القضايا تضم متهمين من كبار السن ممن تجاوز سنهم الستين عامًا، بواقع 157 متهمًا، في حين بلغ عدد السيدات المتهمات في هذه القضايا 106 سيدة، أغلبهن قيد الاحتجاز بالفعل، ومتهم قاصر واحد. وتشمل هذه القضايا اتهامًا لعدد من المحامين، وصل عددهم 14 محاميًا، أغلبهم متهمين في القضية رقم 2976 لسنة 2021.
انتهاك مبدأ الحق في الحضور والعلانية
ووثق التقرير ممارسات تعسفية، من بينها غياب المتهمين عن حضور الجلسات دون مسوغ قانوني عبر إبقائهم داخل زنازين الاحتجاز، ومضي هيئات المحاكم في عقد الجلسات دون حضور المتهمين، ودون مساءلة الجهات الأمنية عن أسباب الغياب، فيما اعتبره إخلالاً جسيمًل بسلامة الإجراءات وضمانات المحاكمة العادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة.
وفي المقابل، سعت هيئات الدفاع مرارًا إلى الاعتراض على هذا التغييب وطلب إثباته بمحاضر الجلسات، إلا أن المحكمة تجاهلت تلك الطلبات دون تقديم مسوغ قانوني لعقد الجلسات في غياب المتهمين.
كما تطرق التقرير إلى ظروف احتجاز المتهمين، وإبقائهم داخل سيارات الترحيلات خارج قاعات المحكمة لساعات طويلة قد تصل إلى ست أو سبع ساعات، دون ماء أو طعام أو تهوية أو رعاية طبية، ثم بدء الجلسات بعد إنهاكهم جسديًا ونفسيًا، بما يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم على التركيز والتفاعل مع مجريات المحاكمة.
كما سُمح بحضور بعض المتهمين داخل أقفاص زجاجية عازلة للصوت والحرارة، تحول دون سماعهم لما يدور داخل الجلسة أو تواصلهم الفعال مع محاميهم، وهو ما اعترضت عليه هيئات الدفاع والمتهمون مرارًا، دون استجابة من المحكمة، بما يقوض حق الدفاع ويخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين الخصوم.
وفُرضت قيود غير مبررة قانونًا خلال الجلسات، شملت منع ذوي المتهمين من الحضور، واستبعاد الفريق المعاون للمحامين من دخول قاعات المحكمة، وتجريد المحامين من هواتفهم ومنعهم من استخدامها حتى لأغراض مهنية، الأمر الذي اعتبره التقرير مخالفة صريحة لمبدأ علانية الجلسات المنصوص عليه في المادة 268 من قانون الإجراءات الجنائية.
دور أعضاء النيابة العامة
وأدان التقرير ممارسات النيابة العامة في القضايا المنظورة أمام محاكم جنايات بدر التي اعتبرتها تعكس إخفاقًا منهجيًا لها في الاضطلاع بدورها كجهة يُفترض أن تسعى إلى كشف الحقيقة، وضمان العدالة بما يقوض مبدأ الحياد والمساواة بين الخصوم.
واعتبر أن هذا يُثير شبهات جدية حول اعتبارات الحياد والنزاهة، على النحو الذي تكشفه سرعة إحالة المتهمين دون تمحيص في استجوابهم أو في التحقيقات التي خضعوا لها من جانب أجهزة الأمن، والتي قدموا فيها اعترافاتهم أو إقراراتهم.
ودلل على هذه الانحيازات وعدم النزاهة في تعميم اتهامين أو ثلاثة لكل المتهمين في القضايا المنظورة دون اختلاف على النحو المثبت في أوامر الإحالة الصادرة من النيابة للمتهمين.
يُضاف لذلك عدم إشراف النيابة على التحقيقات منذ البداية، حيث يجري القبض والاستهداف أولا للمتهمين، وتأتي في وقت متأخر للغاية مسألة تكييف الإدعاء تجاه المتهمين، إلى جانب اعتماد النيابة في بناء إدعائها على تحريات قطاع الأمن الوطني فقط، دون الاستعانة بمصدر مكافئ لموازنة المعلومات الواردة بتحريات الأمن الوطني.
التضييق على المحاميّن والإخلال بحق الدفاع
كما رصد التقرير تعسفًا كبيرًا تجاه المحامين إزاء قيامهم بعملهم للدفاع عن المتهمين أو ضد شخوصهم، حيث سجل المحامون خلال العام الماضي تنامي استخدام "ذريعة الإجراءات الأمنية" لإعاقة تواصلهم مع المتهمين داخل القفص الزجاجي. وفي حالة تسجيل أي محاولة تواصل بين المحامين وبين المتهمين الموجودين في القفص، يتدخل الأمن لردعهم.
وفي الحالات التي تّمسك فيها المحامون بإثبات غياب المتهمين عن الجلسات، فقد واجهتهم المحكمة بالتهديد في حال عدم تراجعهم عن ذلك الطلب، وهو ما حدث مع أحد المحامين والذي تنامي إصراره لمشادة مع رئيس الدائرة الثانية إرهاب المستشار وجدي عبد المنعم.
كذلك سُّجلَت واقعة بخصوص أحد المحامين والذي تمسك فيها بإثبات غياب موكله عن المحاكمة بما يقضي ببطلان المحاكمة، إلا أن الدائرة الثانية رفضت ذلك. وتبعا لذلك فقد طلب الدفاع تمكينه من تحرير توكيل لمخاصمة المحكمة بسبب إصرارها على الامتناع عن إثبات الطلبات المقدمة، وهو ما رفضته المحكمة كذلك. وبناء عليه، أعلنت هيئة الدفاع من جانبها ردّ المحكمة بالكامل.
وأشار التقرير أيضًا إلى تجاهل المحكمة طلبات الدفاع الجوهرية ورفض تسجيلها في محاضر الجلسات تحت دعاوى تقصير أمد التقاضي، أو الإدعاء بعدم تعلقها بموضوع الدعوى، على الرغم من تأثيرها الجدى على تغيير اتجاه القضايا.
ويمتد الرفض لتجاهل طلبات الدفاع المتكررة لإخلاء سبيل المتهمين الذين تجاوزوا المدد القانونية للحبس الاحتياطي، أو المرضى منهم، وكبار السن والسيدات.
وأكد المحامون على تضييق هيئة المحكمة على الدفاع بمنحه وقت قصير للدفاع لا يتجاوز الثلاث دقائق لكل محامي لإبداء مرافعته، لتتدخل بعدها هيئة المحكمة بمنعه من التحدث، إلى جانب تعمد المحكمة لمقاطعة الدفاع باستمرار مسببة حالة من التشويش على الدفاع.
ووصلت هذه الممارسات تجاه المحامين حد الإهانات والسب والتهديد بالوضع في الحبس. من بينها التي وجهها القاضي محمد السعيد الشربيني لأحد المحامين حيث نعته بـ "المستفز"، مع مطالبته بإنهاء مرافعته فورا، الأمر الذي اعتبره التقرير تقويضًا لمبدأ الحياد ويثير شكوكًا جدية حول استقلال المحكمة كذلك ضده.
في واقع أخري دالة أمام دائرة القاضي وجدي عبد المنعم، تم التحفّظ على أحد المحامين داخل قاعة المحكمة أثناء ممارسته حق الدفاع، على خلفية ورود اسمه في إحدى القضايا المنظورة أمام دوائر الإرهاب، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا عقب تدخل المحامين الحاضرين لدى هيئة المحكمة، مقابل تعهده بعدم الحضور مستقبلًا إلى محكمة بدر إلى حين الفصل في القضية المُدرج اسمه فيها على قائمة الاتهام.
مخالفات في استجوابات الشهود
ووُثقَت وقائع متكررة لتدخل القضاة أثناء استجواب الشهود، حيث يميل كثير من الشهود للإجابة بعدم تذكرهم لبعض الوقائع والمعلومات الواردة في الاتهامات، وعند تبين هذه الفجوة في شهادتهم أو كذبهم، لا يتورع القضاة عن التدخل لتوجيههم بشكل صريح لمعلومات بعينها أو “تصحيح شهاداتهم” كما تُعبر عن ذلك نصوص وأقوال التحقيق.
ويعمد عدد من القضاة للتعبير عن انحيازاتهم وتفضيلاتهم بشكل صريح تجاه الشهود، بخاصة ضباط الشرطة والأمن الذين يشكلون قوام الشهود ضد المتهمين (شهود الإثبات).
وتشمل هذه المعاملة التفضيلية النيابة العامة كذلك، حيث تنتهك كلتا الدائرتين مبدأ المساواة بين الخصوم؛ فتُمكَن النيابة العامة من تصوير وتوثيق مرافعاتها، في حين يٌمنَع الدفاع من ذلك بالكلية.
كما تسمح المحكمة للنيابة بالاستفاضة في عرض مرافعاتها، وإثبات طلباتها، وإثبات متابعة تنفيذ النيابة العامة لطلبات المحكمة. في المقابل يُحرم الدفاع من إثبات طلباته، وإبدائها كاملة للمحكمة، ويُمنع من أي محاولة للتوثيق الشخصي لوقائع الجلسة.
تمتد المعاملة اللاإنسانية المتعمدة لتسجيل وقائع ضرب واعتداء من الضباط القائمين على حراسة المتهمين، كما وقع من جانب قائد حرس محكمة بدر- الضابط وليد عسل تجاه المتهمين جهاد الحداد، وأحمد أبو بركة، وأنس البلتاجي، وحسن الشاطر داخل “الحبس خانة” التابعة للمحكمة، على إثر مطالبتهم بالخروج وحضور جلسة المحاكمة.
وفي واقعة تكشف عن غياب الحيادية والنزاهة لهيئة المحكمة، فقد طلب المتهمون إثبات وقائع التعدي، وأوهمتهم المحكمة بإثباتها في محضر الجلسة، إلا أنهم فوجئوا لاحقًا بعدم إثباتها، وامتناع المحكمة والنيابة عن اتخاذ أي إجراء قانوني تجاه واقعة السحل والضرب والسب وانتهاك حقوق المتهمين.
تدوير المعتقلين
لم تكتف السلطات بتأزيم أوضاع المتهمين على النحو السابق، بل تُضيف لذلك معاناة أخرى، وهي المعروفة بممارسة تدوير المتهمين بين قضايا مختلفة. تُزيد هذه الممارسة من معاناة المتهمين، وتزيد من الأعباء الملقاة على عاتق الدفاع، حيث يخوضون صراعًا حول أولوية طلبات الحضور وإحضار الشهود، ما يؤدي إلى إضعاف فعالية الدفاع وتفريغ الحق في المحاكمة العادلة من مضمونه، ويخلق حالة من عدم اليقين حول حضور المتهم للجلسات.
في ضوء هذه الوقائع والانتهاكات، دعت المنظمات الحقوقية الثلاث السلطات المصرية للإفراج عن أي متهم جرى احتجازه أو تتم محاكمته بسبب ممارسته لحقوقه الأساسية، كحرية الرأي والتعبير أو الحق في التجمع السلمي وذلك بدون قيد أو شرط.
كما دعت للإفراج عن المحتجزين الآخرين ممن تجاوزوا مدة الحبس الاحتياطي القانونية. ودعت للسماح للدفاع بالقيام بمهامهم القانونية في حرية واستقلالية دون ضغوط أو تخويف، وأن تمتثل السلطات المصرية لقواعد تنظيم عمل القضاء المصري المستقرة من ضمان إعادة تشكيل الدوائر القضائية وتجديد تشكيلها سنويًا، لتشمل محاكم الجنايات المخصصة لنظر قضايا الإرهاب.
ودعت المنظمات الثلاث إلى ترك الجهات القضائية المعنية تعمل في مناخ من الاستقلالية والحرية والحيادية بما يضمن حقوق المتهمين ويكفل للقضاء المصري استقلاله ونزاهته.

