يرى الكاتب عمار علي حسن أن كثيرين لا يسمعون عن أسماء بعض الوزراء إلا وقت رحيلهم، لأن ما أُخذ من صلاحيات الوزير جعل الناس لا يعوّلون عليه كصانع سياسة أو صاحب قرار نافذ، بل يرونه «موظفاً إدارياً كبيراً» لا يشغله سوى الاستمرار، وعلاقته بالإعلام «محسوبة وباهتة»، فلا يلتفت إليه أحد إلا وقت الأزمات. هذه الصورة تنطبق، بنظر منتقدين، على حكومة مصطفى مدبولي فى ظل نظام عبد الفتاح السيسي، حيث تتراكم الديون، وتتوسع السلطة التنفيذية فى الاقتراض والإنفاق، بينما يظل الوزراء فى الواجهة الشكلية دون صلاحيات حقيقية أو مساءلة واضحة أمام الرأى العام.
قد يسمع كثيرون عن أسماء بعض الوزراء وقت رحيلهم.. فما أُخذ من صلاحيات الوزير أمر يدركه الكل، لذا لا يعول الناس عليه كصانع سياسة أو متخذ قرار نافذ، إنما «موظف إدارى كبير» أو «كبير موظفين» لا يشغله سوى الاستمرار، وعلاقته بالإعلام محسوبة وباهتة، لذا لا يلتفت إليه أحد إلا وقت الأزمات.
— عمار علي حسن Ammar Ali Hassan (@ammaralihassan) February 17, 2026
وزراء بلا صلاحيات فى حكومة مدبولي
تحليل عمار علي حسن لوضع الوزير باعتباره «كبير موظفين» يلتقط جوهر المأزق السياسى والإدارى فى مصر بعد يوليو؛ فصناعة القرار الفعلى تتركز عند رأس السلطة ومحيط أمنى ضيق، بينما يتحول مجلس الوزراء إلى جهاز تنفيذ أوامر وتعليمات، أكثر منه هيئة تضع سياسات وتدافع عنها أمام المواطنين والبرلمان. فى هذا السياق تبدو حكومة مدبولي أقرب إلى فريق تسيير أعمال دائم، يتلقى التوجهات من القصر، ثم يصوغها فى صورة قوانين ولوائح وقرارات، دون نقاش علنى واسع، أو حوار سياسى حقيقى مع المجتمع وقواه المنظمة، ما يفسر محدودية تأثير الوزراء فى الوعى العام، وحضورهم الباهت إلا عندما يغادرون مناصبهم أو تنفجر أزمة فى ملفاتهم.
شهدت حكومة مدبولي تعديلاً واسعاً فى أغسطس 2022 شمل 13 حقيبة وزارية، فى محاولة رسمية لإظهار «ضخ دماء جديدة» بعد موجة انتقادات لأداء الحكومة. لكن هذه التعديلات، بنظر مراقبين، لم تغيّر جوهر المعادلة؛ فالوزراء يدخلون ويخرجون، بينما تظل السياسات الكبرى ثابتة؛ توسع فى المشروعات ذات الكلفة العالية، استمرار فى النهج الأمنى، واعتماد متزايد على الاقتراض الداخلى والخارجى لتمويل العجز وسداد التزامات سابقة. فى ظل هذا النمط، يصبح الوزير أقرب إلى واجهة إدارية تقع عليها مسؤولية تنفيذ ما يُقرَّر فى مكان آخر، لا صاحب رؤية قادرة على التفاوض أو الاعتراض أو مراجعة المسار عندما تتزايد الكلفة على المجتمع.
اقتصاد مرتهن بالديون.. وحكومة تنفذ خيارات السيسي
على المستوى الاقتصادى، تظهر أرقام الدين العام حجم الأزمة التى تتحرك فيها حكومة مدبولي؛ فإجمالى الدين الخارجى لمصر وصل إلى نحو 161.2 مليار دولار فى يونيو 2025، بزيادة واضحة عن مستويات السنوات السابقة. وتُقدِّر جهات دولية نسبة الدين العام بنحو 90% من الناتج المحلى فى 2024، وهو مستوى يفوق متوسط دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكثر من الضعف تقريباً، ما يعكس اعتماداً مزمناً على الاقتراض لتمويل الإنفاق الجارى والمشروعات الكبرى. فى المقابل، لا يلمس أغلب المواطنين تحسناً ملموساً فى مستويات المعيشة أو الخدمات الأساسية، مع استمرار التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتآكل القدرة الشرائية للرواتب والمعاشات.
العبء الأكبر يظهر فى أرقام خدمة الدين؛ فبيانات وزارة المالية تشير إلى أن تكلفة خدمة الديون استهلكت أكثر من 96% من إجمالى إيرادات الموازنة خلال الشهور الخمسة الأولى من العام المالى 2025/2026 (يوليو – نوفمبر)، ما يعنى عملياً أن ما تحصّله الدولة من ضرائب ورسوم يذهب معظمُه لسداد فوائد وأقساط، قبل أى إنفاق جدى على الصحة أو التعليم أو الاستثمار العام. دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية حول موازنة 2025/2026 أوضحت أن 58% من القروض الجديدة موجهة أساساً لخدمة ديون قائمة، وأن فوائد الدين تعادل 87% من حصيلة الضرائب، فى مؤشر واضح على دائرة مفرغة من الاستدانة لسداد الاستدانة. فى ظل هذه الأرقام، يرى منتقدون أن الحديث الرسمى عن «إدارة رشيدة للدين» يغفل جوهر المشكلة؛ نموذج اقتصادى يقرر التوسع فى الاقتراض والمشروعات من أعلى، ثم يُكلَّف مجلس الوزراء بتنفيذ هذه الخيارات والدفاع عنها إعلامياً، دون أن تكون لديه مساحة حقيقية لمراجعة المسار أو تغيير الأولويات.
حكومة لا يُسمع صوتها إلا وقت الأزمات
يصف عمار علي حسن علاقة الوزير بالإعلام بأنها «محسوبة وباهتة»، مؤكداً أن الناس لا يلتفتون إليه إلا وقت الأزمات. هذا التوصيف يجد صداه فى أداء عدد من وزراء حكومة مدبولي، الذين يظهرون فى مشاهد افتتاح المشروعات أو فى بيانات مكتوبة بعناية، بينما يغيب الحوار المفتوح مع المواطنين، وتندر المؤتمرات الصحفية التى تُطرح فيها أسئلة حقيقية عن الدين، والغلاء، وتراجع الخدمات، وغياب الشفافية فى ملفات بيع الأصول العامة أو توقيع اتفاقات القروض. فى المقابل، يتصدر المشهد خطاب رئاسى مباشر يعلن السياسات الكبرى، ويترك للحكومة مهمة الشرح والتبرير والتنفيذ، ما يعمّق انطباعاً عاماً بأن الوزراء مجرد «موظفين كبار» لا يملكون حق مراجعة الخيارات التى تحدد مصير الاقتصاد والمجتمع.
هذا النمط فى إدارة الدولة يعزز – بنظر معارضين – توصيف حكومة مدبولي بأنها «حكومة انقلاب» تعمل تحت سقف سياسى مغلق، فى ظل تركُّز غير مسبوق للسلطة فى يد رئيس واحد، هو عبد الفتاح السيسي، الذى يقود توسعاً واسعاً فى الاقتراض الداخلى والخارجى، ويُحمِّل الموازنات المقبلة أعباء فوائد وأقساط تقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً. وبينما تتراكم الديون وتُستنزف الإيرادات فى خدمة القروض، تظل الحكومة محصورة فى دور إدارة اليومية، دون رؤية معلنة للخروج من دائرة الاستدانة وتخفيف الضغط عن المواطنين، ما يفتح الباب أمام مزيد من التشكيك فى جدوى استمرار هذا النمط من الحكم، الذى يحوّل الوزراء إلى ظلال باهتة لقرار واحد مركزى، لا إلى فريق سياسى محترف يضع السياسات ويتحمل مسؤوليتها أمام الناس.

