تعهد مصطفى مدبولي بدعم الأسعار وعدم رفعها بعد الحزمة الاجتماعية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على الأسر بسبب الغلاء وتراجع القوة الشرائية. لكن هذا التعهد عاد ليصطدم فورًا بوقائع يراها حقوقيون وخبراء اقتصاد “نقضًا للوعود” لا مجرد تعثر. ويستشهدون بإعلان إرجاء تطبيق الحد الأدنى للأجور إلى الموازنة القادمة، كإشارة على أن الحكومة تطمئن الناس بالكلام، ثم تؤجل ما يمس الدخل الحقيقي، فتظل الأسعار وحدها تتحرك.

 

المشكلة ليست في تصريح واحد. بل في نمط متكرر. وعود عامة تُقال عند اشتداد الأزمة. ثم قرارات لاحقة تُحمّل السوق تكلفة إضافية. ثم تبريرات تُلقى على “الظروف” و“الالتزامات” و“التحديات”. وبين كل حلقة وأخرى، تتآكل الثقة. ويتحوّل أي تعهد جديد إلى مادة اختبار فوري في الشارع والأسواق، لا إلى مصدر طمأنينة كما يفترض.

 

تعهد “عدم رفع الأسعار” بلا آليات: باب واسع للتراجع السريع

 

التعهد بدعم الأسعار وعدم رفعها يبدو حاسمًا في صياغته، لكنه يظل فضفاضًا بلا تعريف. أي أسعار تحديدًا؟ سلع التموين فقط؟ النقل؟ الطاقة؟ الدواء؟ خدمات الدولة؟ خبراء اقتصاد يشيرون إلى أن الحكومة تملك قدرة أكبر على أسعار تسعيرها إداري، وقدرة أضعف على أسعار السوق التي تتحرك مع الكلفة وسلاسل الإمداد. لذلك يصبح الوعد المطلق خطأ سياسيًا قبل أن يكون خطأ اقتصاديًا، لأنه يخلق توقعًا كاملًا لا يمكن ضمانه.

 

حقوقيون يتعاملون مع هذه الصياغات بوصفها “إدارة انطباع” أكثر منها سياسة معلنة. لأن غياب التفاصيل يعني غياب الالتزام القابل للقياس. لا سقف زمني محدد. لا قائمة سلع واضحة. لا آلية رقابة معلنة. ولا عقوبات منشورة على المخالفين. وفي بلد تتحرك فيه الأسعار مع أي زيادة في النقل أو الطاقة أو تكلفة التمويل، يصبح الوعد العام مجرد قنبلة ثقة. تنفجر مع أول موجة ارتفاع ولو بسيطة.

 

نشطاء معنيون بالحق في مستوى معيشة لائق يركزون على نقطة أخرى. الحزمة الاجتماعية تُقدّم كتعويض. لكن التعويض يفقد أثره إذا تُركت الأسعار تتحرك بقرار واحد لاحق. لذلك يرون أن التعهد الحقيقي ليس “لن ترتفع الأسعار”، بل إعلان إجراءات قابلة للمتابعة، وإتاحة معلومات أسبوعية عن السلع والخدمات، وربط أي زيادة بخطة حماية واضحة لا برسائل طمأنة مؤقتة.

 

الحد الأدنى للأجور مؤجل: دخل ثابت وأسعار متحركة

 

إرجاء تطبيق الحد الأدنى للأجور إلى الموازنة القادمة، كما يرد في طرحك، يضعف أي حديث عن دعم الأسعار. لأن الأجور هي خط الدفاع الأول أمام التضخم. عندما يُرحّل هذا الخط، تبقى الأسر في مواجهة مباشرة مع سوق يتغير يوميًا. خبراء اقتصاد يعتبرون أن المشكلة هنا ليست مالية فقط، بل اتصالية أيضًا. الحكومة تقول “لن ترتفع الأسعار”، ثم تقول “لن نرفع الدخل الآن”. الرسالة التي تصل للناس هي أن العبء مستمر على طرف واحد.

 

هذا التناقض لا يحتاج لغة حادة كي يظهر. يكفي ترتيب الوقائع. الأسعار ترتفع أو يُخشى ارتفاعها. الحكومة تعلن حزمة. ثم يتأخر ما يمس كتلة الأجور. وفي ظل ذلك، تتحول الرقابة على الأسواق إلى بديل مؤقت عن معالجة أصل المشكلة. لأن الرقابة قد توقف مغالاة في سلعة، لكنها لا توقف ارتفاع الكلفة إذا زادت الطاقة أو النقل أو التمويل أو انخفضت القدرة الشرائية للجنيه.

 

حقوقيون يربطون هذا المسار بفكرة “الالتزام الانتقائي”. الالتزام الذي يهم الناس هو ما يُقاس في الجيب. فإذا كان الحد الأدنى للأجور مؤجلًا، يصبح أي تعهد متعلق بالأسعار بحاجة إلى ضمانات أقوى. وإلا بدا كأنه وعد بلا ثمن على الحكومة، وثمنه بالكامل على المواطن. وهذا ما يفسر سرعة تشكك الشارع في أي تصريح جديد، حتى قبل اختبار نتائجه على الأرض.

 

نشطاء العمل العمالي يشيرون كذلك إلى أثر التأجيل على القطاع الخاص. فحين تؤجل الدولة رفع الأجور أو ترحله، تضعف قدرة العمال على التفاوض في سوق يعاني أصلًا من اختلال ميزان القوة. والنتيجة أن الجزء الأكبر من المجتمع يبقى عند دخل يتآكل، بينما تُطلب منه الثقة في وعود “استقرار” لا تصمد أمام دورة التضخم والزيادات المعتادة في السوق.

 

وعود الوقود تتكرر ثم تُنقض: مثال يهز مصداقية أي تعهد جديد

 

الملف الذي يُستخدم غالبًا كمثال على التناقض بين التعهد والقرار هو المحروقات. لأن أي زيادة في الوقود لا تبقى في محطتها. تنتقل فورًا إلى النقل. ثم إلى تكلفة السلع. ثم إلى الخدمات. لذلك، عندما يُقال إن الحكومة تعهدت سابقًا بعدم رفع المحروقات ثم جرى رفعها لاحقًا، فإن الأثر لا يكون سياسيًا فقط، بل معيشيًا مباشرًا. الناس تربط بين الكلمة وبين فاتورة يومية أكبر في اليوم التالي.

 

حتى من زاوية “إدارة الأزمات”، هذا النوع من التناقض ينسف أهم أداة للحكومة. الثقة. عندما تتكرر الوعود ثم تأتي قرارات معاكسة، يصبح البيان الرسمي مجرد مرحلة تمهيدية لقرار مؤلم لا إعلانًا لسياسة مستقرة. خبراء اقتصاد يصفون ذلك بأنه يرفع “كلفة التوقع”. أي أن السوق يسعّر الخوف قبل حدوث القرار. والتجار يحمّلون الأسعار احتمال الزيادة، لا الزيادة نفسها فقط.

 

حقوقيون يحذرون من أثر هذا النمط على الحق في المعرفة. لأن السوق لا يكره شيئًا مثل المفاجأة. والناس لا تكره شيئًا مثل الوعود التي تُكسر بلا تفسير واضح. لذلك يدفعون باتجاه إعلان سياسات تسعير الطاقة والجداول الزمنية ومعايير الزيادة مسبقًا، بدل تركها للصدمة ثم التبرير. وفي ملف بالغ الحساسية مثل الوقود، تصبح الشفافية ليست رفاهية، بل شرطًا لتقليل التلاعب وتضخم الأسعار.

 

في النهاية، وعد مدبولي “عدم رفع الأسعار” بعد الحزمة الاجتماعية لا يُقرأ اليوم بمعزل عن سجل الوعود التي تتعرض للاهتزاز مع القرارات التالية. والتأجيل المتكرر لما يمس الدخل، مثل الحد الأدنى للأجور، يجعل أي تطمين للأسواق غير مكتمل. الأزمة هنا ليست في نقص التصريحات. بل في فجوة بين الكلمة والقرار، وبين الإعلان والنتيجة. وكلما اتسعت هذه الفجوة، تحولت الوعود من أداة تهدئة إلى دليل إضافي على تضليل متكرر يدفع ثمنه المواطن وحده.