يضع تقرير جديد لمكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان «قوات الدعم السريع» في قلب اتهامات ثقيلة بارتكاب جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية، بعد سيطرتها على مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور أواخر 2025.
التقرير، المبني على مقابلات مع أكثر من 140 ضحية وشاهد، يوثّق مقتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى فقط من هجوم «الدعم السريع» على المدينة بعد حصار طويل، تخلّلته مجازر جماعية وانتهاكات واسعة النطاق.
المفوض السامي فولكر تورك أكد أن ما جرى في الفاشر يتجاوز مجرد «تجاوزات فردية» إلى نمط من الفظائع المنهجية، تشمل الإعدامات الميدانية، القتل الجماعي، الاغتصاب، الهجمات على العاملين في المجال الإنساني، والتهجير القسري، داعيًا الدول ذات النفوذ إلى وقف تدفق السلاح إلى «الدعم السريع» وتفعيل آليات المساءلة الدولية.
تقرير أممي: نمط منظم من القتل الجماعي
تقرير مكتب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بشأن الفاشر يقدّم صورة موثقة لعنف منظم، لا مجرد فوضى معارك. فمنذ الاقتحام الرئيسى للمدينة في 23 أكتوبر 2025، وثّق التقرير حالات إعدام بإجراءات موجزة، وعمليات قتل جماعي، واغتصاب واسع النطاق، واعتداءات على عمال الإغاثة ونهب ممنهج، إلى جانب اختطاف وتهجير قسري لعشرات الآلاف من المدنيين.
المفوض السامي فولكر تورك وصف استمرار قتل المدنيين في الفاشر بأنه «صادم ومروع»، وأكد أن حجم الانتهاكات وطبيعتها يرقى إلى جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية، مطالبًا بفتح تحقيقات مستقلة ومحاسبة القادة المسؤولين في «الدعم السريع» وحلفائهم.
في الوقت نفسه، يشير تقرير حديث لمكتب الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية إلى أن المعلومات والأدلة الواردة عن حصار الفاشر وسقوطها في قبضة «الدعم السريع» تعكس «طيفًا واسعًا من الجرائم المزعومة ضد المدنيين»، في امتداد لملف دارفور المفتوح أمام المحكمة منذ 2005. المدعي العام كريم خان شدد في تقريره إلى مجلس الأمن على أن النمط الحالي للعنف في الفاشر يربط بوضوح بين القيادات الميدانية والجرائم المرتكبة، ما يفتح الباب نظريًا أمام ملاحقات جديدة.
عنف عرقي وتجويع ممنهج تحت حصار الفاشر
تقارير الأمم المتحدة ومنظمات دولية ترسم ملامح استهداف واسع على أساس عرقي في دارفور، بما في ذلك الفاشر. فالهجمات طالت أحياء ومناطق ذات غالبية من المجموعات غير العربية، مع توثيق حالات قتل للآباء والأمهات أمام أطفالهم، واغتصاب نساء وفتيات، وترويع منهجي للسكان المدنيين.
الباحث السوداني في «هيومن رايتس ووتش» محمد عثمان، المتخصص في متابعة انتهاكات دارفور، يربط بين ما حدث في الفاشر وبين سجل سابق لـ«الدعم السريع» في ولايات أخرى، وعلى رأسها غرب دارفور. ويشير إلى أن الهجمات تتسم بسمتين متكررتين: الاستهداف على أساس الهوية العرقية، واستخدام الحصار والتجويع كسلاح حرب من خلال قطع الإمدادات وتدمير المرافق الأساسية ومنع وصول المساعدات.
هذا النمط ظهر بوضوح في هجمات «الدعم السريع» على مخيم زمزم وغيره من مخيمات النزوح حول الفاشر؛ حيث وثّقت تقارير أممية مقتل أكثر من ألف مدني في هجوم واحد استمر ثلاثة أيام على المخيم، تخللته إعدامات من بيت لبيت وهجمات على أسواق ومدارس ومرافق صحية، إلى جانب عنف جنسي واسع النطاق.
الأمم المتحدة تحذر من أن مئات الآلاف من النازحين من الفاشر يواجهون الآن أوضاعًا إنسانية كارثية، مع تهديد مباشر بالمجاعة في ظل انعدام المأوى ونقص الغذاء والمياه والخدمات الصحية، خصوصًا بين الأطفال والنساء وكبار السن، بينما يضطر كثيرون إلى السير لعشرات الكيلومترات هربًا من مناطق سيطرة «الدعم السريع» في ظل استمرار منع مغادرة المدينة بأمان.
في هذا السياق، وصف فيديريكو بوريّلو، المدير التنفيذي بالإنابة لـ«هيومن رايتس ووتش»، الصور القادمة من الفاشر بأنها «تحمل كل بصمات سجل قوات الدعم السريع في ارتكاب الفظائع الجماعية»، معتبرًا أن ما جرى في المدينة امتداد مباشر لنمط سبق توثيقه في مدن ومناطق أخرى من دارفور منذ اندلاع الحرب الحالية.
سلاح خارجي يغذي الجرائم.. ومساءلة دولية متأخرة
إلى جانب المسؤولية المباشرة لـ«الدعم السريع» وقادته، تكشف تقارير حقوقية وتحقيقات دولية عن دور خطير لتدفق السلاح من أطراف إقليمية في تغذية الحرب وإطالة أمدها.
تحقيق لمنظمة العفو الدولية خلص إلى أن الإمارات أعادت تصدير أسلحة صينية متطورة إلى السودان، وصلت إلى أيدي «قوات الدعم السريع» واستخدم بعضها في دارفور، في خرق واضح لحظر السلاح المفروض على الإقليم من مجلس الأمن.
تقارير تحليلية أخرى تشير إلى أن مسارات السلاح المرتبطة بالإمارات تمر عبر دول مجاورة مثل ليبيا وتشاد، قبل أن تنتهي إلى وحدات «الدعم السريع» على الأرض، وأن هذا الدعم اللوجيستي والعسكري مكّن الميليشيا من توسيع نطاق سيطرتها وفرض وقائع عسكرية بالقوة على حساب مؤسسات الدولة السودانية. في المقابل، تواصل أبوظبي نفي تقديم أي دعم عسكري لـ«الدعم السريع»، مستندة إلى تقرير لجنة خبراء أممية لم يثبت بشكل قاطع مسؤوليتها القانونية عن شحنات بعينها.
باحثون في قضايا العدالة الانتقالية، من بينهم محمد عثمان، يحذرون من أن ترك ملف الدعم الخارجي لـ«الدعم السريع» بلا تحقيقات شفافة وعقوبات واضحة ينسف أي حديث جاد عن وقف تدفق السلاح إلى مسرح الجرائم، ويحوّل قرارات حظر السلاح الأممية إلى نصوص شكلية لا أثر فعليًا لها على الأرض.
في غضون ذلك، تبدو استجابة المجتمع الدولي بطيئة وغير متناسبة مع حجم الكارثة. فمجلس الأمن لم يفرض حتى الآن إلا حزمة محدودة من العقوبات على بعض قادة «الدعم السريع»، بينما تقف دعوات توسيع العقوبات وفرض حظر شامل على السلاح وتفعيل مسار المحكمة الجنائية الدولية أمام حسابات سياسية معقدة داخل المجلس.
صورة الفاشر اليوم، كما تلخّصها تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، هي لمدينة خرجت فعليًا من تحت سلطة الدولة إلى قبضة ميليشيا متهمة بارتكاب مجازر عرقية، ومدعومة، بحسب تحقيقات موثوقة، بشبكات تسليح خارجية، في ظل عجز دولي عن وقف الجرائم أو حماية من تبقّى من المدنيين. في هذه المعادلة، لا يبدو السؤال فقط كيف تُحاسَب «قوات الدعم السريع»، بل أيضًا كيف يُسأل من سلّحها ووفّر لها القدرة على تحويل حصار الفاشر إلى مجزرة موثقة أمام أعين العالم.

