أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة استمرار ارتفاع حصيلة القتلى والجرحى منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، بالتزامن مع تسجيل ضحايا جدد يُنتشلون من تحت الأنقاض أو يسقطون في حوادث قصف وإطلاق نار رغم سريان وقف إطلاق النار. أرقام الوزارة تُستخدم على نطاق واسع من وكالات أممية وإعلام دولي باعتبارها المؤشر الأكثر انتظامًا، مع الإشارة إلى أنها لا تفصل بين المدنيين والمقاتلين.

 

أحدث تحديثات منشورة في تقارير دولية وإعلامية تضع الإجمالي في نطاق 72 ألف قتيل وأكثر من 171 ألف مصاب حتى فبراير 2026، وهو مستوى خسائر لم يعد يمكن وصفه كـ“تداعيات حرب” بقدر ما هو واقع مستمر يفرض نفسه على أي حديث عن مرحلة ثانية أو إعادة إعمار.

 

أرقام الضحايا: موتٌ متأخر تحت الركام وخسائر “تستمر بعد النهاية”

 

وزارة الصحة قالت إن مستشفيات قطاع غزة استقبلت خلال 48 ساعة قتيلين جرى انتشالهما من تحت الأنقاض و15 مصابًا، في نمط بات متكررًا: الضحايا لا يُسجَّلون فقط لحظة القصف، بل أيضًا مع عمليات البحث المتأخرة، ومع انهيار القدرة الطبية على إنقاذ المصابين. تقرير لوكالة “أسوشيتد برس” أشار إلى أن وزارة الصحة في غزة تضع إجمالي القتلى عند 72,037 مع استمرار تسجيل قتلى رغم وقف النار، مؤكدةً أن الأرقام لا تميز بين المدنيين والمسلحين.

 

في وثيقة أممية حديثة، نقلت الأونروا (استنادًا إلى وزارة الصحة كما تُبلّغها أوتشا) أرقامًا قريبة: 71,824 قتيلًا و171,608 مصابًا حتى 4 فبراير 2026. الفارق بين التحديثات يعكس اختلاف تواريخ الإغلاق الإحصائي، لا اختلافًا في الاتجاه العام.

 

المنظومة الصحية نفسها تتآكل. بيانات “توثيق استهداف القطاع الصحي” تشير إلى مؤشرات نقص حاد في الأدوية والمستلزمات وغياب مستشفيات “عاملة بالكامل”، ما يعني أن أي إصابة إضافية تُقابل بقدرة أقل على العلاج، وبالتالي بارتفاع احتمالات الوفاة أو الإعاقة الدائمة.

 

الدكتور ريك بيبركورن، ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية، كان قد حذر مرارًا من أن انهيار الإمدادات الطبية والإخلاءات يترجم مباشرة إلى “وفيات يمكن تجنبها” لدى الجرحى وأصحاب الأمراض المزمنة، أي أن جزءًا من الحصيلة ناتج عن العجز الصحي بقدر ما هو ناتج عن السلاح.

 

وقف إطلاق النار: 591 قتيلًا بعد الاتفاق.. ومعادلة “الخروق اليومية”

 

وفق روايات فلسطينية وتغطيات دولية، بدأ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، لكن العنف لم يتوقف بالكامل. وكالة “أسوشيتد برس” نقلت عن جهات إشراف على الاتفاق أن الخروقات أوقعت نحو 591 قتيلًا فلسطينيًا منذ بداية الهدنة، مع تسجيل حوادث متكررة من ضربات جوية وإطلاق نار.

 

هذا الرقم يكتسب دلالته لأنه يصف مرحلة كان يفترض أن تكون “انتقالية” نحو تثبيت الهدنة، لا مرحلة تُضاف فيها مئات الضحايا إلى سجل الحرب.

 

نيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي المكلف بملف متابعة وقف إطلاق النار وفق ما ورد في تغطية AP، حذر من أن استمرار الانتهاكات يقوض ترتيبات “الحوكمة الانتقالية” ويعطل أي خطة عملية لإدارة ما بعد الحرب.

 

أما منظمة “أطباء بلا حدود” فربطت هشاشة البيئة الأمنية مباشرة بقدرة المستشفيات على العمل، بعدما أعلنت تعليق خدمات غير حرجة في مستشفى ناصر بسبب وجود مسلحين وانعدام ضمانات الحياد الطبي، في مؤشر على أن “وقف النار” لم يُنتج مساحة آمنة حتى للمرافق العلاجية.

 

من زاوية القانون الدولي الإنساني، يظل معيار الاختبار بسيطًا: هل توجد حماية فعلية للمدنيين والمرافق الطبية؟ أنا ماري، الرئيسة السابقة للجنة الدولية للصليب الأحمر، شددت في أكثر من مناسبة على أن احترام قواعد الحرب—خصوصًا حماية المدنيين والجرحى والمنشآت الطبية—ليس خيارًا سياسيًا بل التزامًا قانونيًا. وفي غزة، تتعامل المنظمات مع فجوة بين النصوص والواقع اليومي.

 

إعادة الإعمار: 70 مليار دولار على الأقل.. ودمار يجعل “العودة” مشروعًا طويلًا

 

حتى لو توقفت الخروقات غدًا، فالكلفة المادية والإنسانية تضع غزة أمام سنوات من التعافي. تقارير متعددة أشارت إلى تقديرات تصل إلى 70 مليار دولار لإعادة الإعمار، وهي تقديرات نُسبت إلى تقييمات دولية/أممية بالتعاون مع مؤسسات مالية.

 

في المقابل، تقرير رسمي للبنك الدولي والأمم المتحدة (أبريل 2024) قدّر أضرار البنية التحتية الحيوية وحدها بنحو 18.5 مليار دولار في مرحلة مبكرة من الحرب، ما يوضح كيف تتسع الفجوة بمرور الوقت.

 

تقييم “الضرر والاحتياجات” الذي نُشر عبر منصة الأمم المتحدة في فلسطين (تقييم مشترك مع الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي) يصف نطاق التدمير والخسائر ويضع إطارًا لاحتياجات التعافي، ما يعني أن الحديث عن “مرحلة ثانية” بلا ضمان تدفق المساعدات ومواد الإيواء والوقود والدواء هو حديث ناقص.

 

جاكو سيلييرز، ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في ملفات فلسطين وفق تقارير أممية، قدّم تقديرًا واضحًا بأن حجم الدمار والركام يجعل إزالة الأنقاض وإعادة الخدمات الأساسية تحديًا أوليًا قبل أي بناء جديد.

 

الخلاصة

 

الخبر ليس مجرد “تحديث حصيلة”. جوهره أن الحرب ما زالت تُنتج قتلى—مباشرة أو عبر الركام والمرض—وأن وقف إطلاق النار القائم لم يتحول إلى حماية مستدامة. وبينما تُطرح مراحل سياسية جديدة، تبقى الأرقام، وقدرة المستشفيات، وكلفة الإعمار، مؤشرات تقول إن غزة لم تخرج من دائرة الخطر بعد.