أثار مقطع فيديو متداول يُظهر مشادة حادة بين محافظ البحيرة جاكلين عازر ومديرة مدرسة في دمنهور، قبل صدور قرار بفصل الأخيرة، جدلًا واسعًا حول حدود السلطة الإدارية واحترام كرامة الموظف العام داخل المؤسسات التعليمية.
الواقعة، التي جرت داخل مدرسة وأمام طلاب ومعلمين وكاميرات، تحولت من خلاف إداري حول مستوى النظافة والانضباط إلى قضية رأي عام تطرح أسئلة واضحة عن مدى التزام المسؤول التنفيذي بالقانون والمعايير المؤسسية.
د. مصطفى جاويش كتب على منصة X منتقدًا ما وصفه بـ«التعنيف والتنمر» على مديرة المدرسة، محملًا المحافظة مسؤولية الفشل في توفير عمال نظافة بدلًا من تحميل المديرة وحدها تبعات القصور الخدمي.
💢الوزيرة جاكلين عازر محافظ البحيرة
— دكتور مصطفى جاويش (@drmgaweesh) February 10, 2026
👈تعنف، وتشجب، وتتنمر على
💢المربية الفاضلة مديرة المدرسة؛؛؛
👈بسبب فشل المحافظة فى توفير عمال نظافة بالمدرسة !!! pic.twitter.com/3o6GOMCKht
تزامن ذلك مع انتشار واسع لمقطع الفيديو على فيسبوك، يوثق أسلوب الحديث والتوبيخ العلني، وما تلاه من إعلان رسمي عن إقالة المديرة وإحالة مسؤولين آخرين للتحقيق.
في ظل هذه المعطيات، يصبح السؤال المركزي: أين يقف القانون من هذه الواقعة؟ وهل ما جرى يدخل في إطار المساءلة المشروعة، أم في خانة إساءة استعمال السلطة والإضرار بالكرامة الوظيفية؟
سلطة المحافظ بين الإشراف والتعسف التأديبي
قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 ينظم بوضوح إجراءات المساءلة التأديبية للموظفين العموميين. أي جزاء تأديبي، خاصة إذا وصل إلى حد الفصل أو الإقالة من المنصب، يفترض أن يسبقه:
• تحقيق إداري رسمي.
• إخطار الموظف بالتهم المنسوبة إليه.
• تمكينه من الدفاع وتقديم أقواله ومستنداته.
سلطة المحافظ، وفق هذا الإطار، هي سلطة إشراف ورقابة، وليست سلطة مطلقة لتوقيع الجزاءات الفورية أمام الكاميرات. الفقيه الدستوري عصام الإسلامبولي، في شروحه العامة لقانون الخدمة المدنية، يشير إلى أن مشروعية القرار التأديبي مشروطة بوجود تحقيق مكتمل الأركان، وأن تجاوز هذا المسار يعرض القرار للطعن أمام القضاء الإداري لعيب «المخالفة الجسيمة للإجراءات» و«الانحراف بالسلطة».
الجزء المتعلق بالفصل هنا يثير إشكاليتين رئيسيتين:
1. العلنية والاستعراض: القرار جاء بعد مشادة علنية موثقة بالفيديو، ما يعطي انطباعًا بأن الجزاء كان رد فعل انفعالي أكثر منه نتيجة تحقيق موضوعي.
2. غياب المسار التأديبي التقليدي: لم يُعلن عن فتح تحقيق إداري مسبق، أو تشكيل لجنة محايدة، أو الاستناد إلى تقارير تفتيش تربوي أو مالي موثقة، قبل اتخاذ قرار الإقالة.
تقارير صحفية محلية اكتفت بالإشارة إلى أن المحافظ «أقالت مديرة المدرسة وأحالت المقصرين للتحقيق» على خلفية ملاحظات تتعلق بالنظافة وعدم انتظام الدراسة، دون توضيح طبيعة التحقيق السابق أو اللاحق للقرار.
هذا الترتيب (قرار ثم تحقيق) يعاكس التسلسل المنطقي الذي يفرضه القانون، ويضع القرار تحت شبهة التعسف الإداري.
الكرامة الوظيفية في مؤسسة تعليمية أمام الطلاب
الواقعة لم تكن مجرد توقيع جزاء إداري، بل مشهد علني داخل مدرسة، أمام طلاب وهيئة تدريس، لمسؤولة تنفيذية في أعلى هرم المحافظة وهي توبخ مديرة مؤسسة تعليمية أمام الكاميرات.
أساتذة القانون الدستوري، ومنهم د. محمد نور فرحات، يربطون بين احترام الموظف العام واحترام الدولة لنفسها، باعتبار أن الكرامة الوظيفية ليست ترفًا أخلاقيًا، بل جزء من مبدأ المشروعية وسيادة القانون. أي إهانة علنية لموظف أثناء أداء عمله يمكن أن تُعد بحد ذاتها مخالفة إدارية، وقد تفتح بابًا للمساءلة على الجهة التي مارست الإهانة إذا اقترنت بتعسف في استعمال السلطة.
في السياق التعليمي، يتضاعف أثر المشهد:
• الطلاب يتلقون رسالة مفادها أن الإهانة العلنية أسلوب مقبول في الإدارة.
• المعلمون ومديرو المدارس يشعرون بأنهم مكشوفون أمام عقاب فوري واستعراضي، لا يحميهم من التعسف إلا «الرضا السياسي» لا القانون.
القضاء الإداري المصري رسّخ في أحكام عديدة مبدأ أن «المساس بكرامة الموظف العام يمثل تجاوزًا في استعمال السلطة»، وأن الإدارة مطالبة باحترام شخصية الموظف حتى عند مساءلته أو معاقبته. هذه القاعدة تنبع من أن العلاقة بين الإدارة وموظفيها ليست علاقة «تسلط شخصي»، بل علاقة قانونية منظمة بحقوق وواجبات متبادلة.
في هذه الحالة، يظهر الفيديو كمؤشر على أن المساءلة تمت بأسلوب يتعارض مع أبسط قواعد الإدارة الحديثة، التي تفرق بين:
• نقد الأداء عبر تقارير وتحقيقات مكتوبة.
• التشهير بالموظف أمام جمهور، وهو ما يضرب الثقة داخل المؤسسة ويفتح الباب لمناخ خوف لا لمناخ انضباط.
حقوق المديرة والطعن القضائي.. من يراجع قرار السلطة؟
من زاوية قانونية، إذا صدر قرار فصل أو إقالة دون تحقيق مكتمل يراعي حق الدفاع، يكون أمام الموظفة مسار واضح:
1. الحصول على صورة رسمية من قرار الفصل وأسبابه.
2. تقديم تظلم إداري خلال المواعيد المحددة قانونًا.
3. رفع دعوى إلغاء أمام محكمة القضاء الإداري، مع طلب وقف تنفيذ القرار بصفة مستعجلة لحين الفصل في الموضوع.
المحامي الحقوقي خالد علي، في مرافعاته أمام القضاء الإداري في قضايا سابقة، استند مرارًا إلى مبدأ أن القرار الإداري الذي يشوبه عيب «إساءة استعمال السلطة» أو «الانحراف بها عن المصلحة العامة» يكون عرضة للإلغاء، خاصة إذا اقترن بعناصر مثل الانتقام الشخصي أو الاستعراض السياسي أو تجاهل الإجراءات الواجبة.
في حالة مديرة مدرسة البحيرة، يمكن لهيئة المحكمة – إذا وصل النزاع إليها – أن تنظر في عدة عناصر، منها:
• تسلسل الإجراءات: هل سبق القرار تحقيق مكتوب ومحضر رسمي، أم جاء أولًا ثم تبعه «تحقيق شكلي»؟
• التناسب: هل مستوى القصور المنسوب للمديرة – إن ثبت – يبرر أقصى العقوبات، أم كان يمكن الاكتفاء بجزاء أخف؟
• الاستناد إلى أدلة موضوعية: هل توجد تقارير تفتيش مستقلة تثبت مسؤوليتها المباشرة عن القصور، أم أن القرار بُني على انطباع لحظي خلال زيارة مفاجئة؟
عمليًا، حتى لو انتهى القضاء إلى إلغاء قرار الفصل وإعادة المديرة لعملها أو لمركز وظيفي مكافئ، ستكون قد تعرضت لضرر مادي ومعنوي جسيم خلال فترة الانقطاع، وهو ما يفتح الباب قانونيًا أيضًا لتعويض محتمل عن الأضرار.
أزمة ثقة مؤسسية لا مجرد «واقعة فردية»
تأثير هذه الواقعة يتجاوز حدود مدرسة بعينها أو موظفة واحدة. الرسالة التي يلتقطها كثير من العاملين في القطاع العام أن استخدام السلطة في العلن، بطريقة استعراضية، ما زال ممكنًا رغم كل الحديث الرسمي عن «التحول الرقمي» و«الحوكمة» و«احترام حقوق الإنسان».
الإدارة التي تستخدم التوبيخ العلني والفصل الفوري أمام الكاميرا تفقد جزءًا من شرعيتها المعنوية، حتى لو استندت بعد ذلك إلى نصوص قانونية لتبرير قرارها. والمؤسسات القوية لا تحتاج إلى استعراض القوة، بل إلى تطبيق القانون بهدوء، وإجراء تحقيقات مهنية، وتوقيع الجزاءات – إن استوجبتها المخالفات – في إطار يضمن الكرامة والعدالة معًا.
واقعة البحيرة أصبحت اختبارًا عمليًا لمدى احترام السلطة التنفيذية لثلاثة مبادئ أساسية:
• المشروعية: لا جزاء بلا تحقيق ولا عقوبة بلا إجراءات.
• الكرامة الوظيفية: لا تشهير ولا إهانة علنية للموظف حتى لو أخطأ.
• قابلية القرار للمراجعة: القضاء الإداري موجود ليراجع قرارات السلطة عندما تنحرف عن القانون.
ما ستؤول إليه هذه القضية – سواء بقي القرار كما هو، أو جرى التراجع عنه، أو أُلغي قضائيًا – سيبعث رسالة واضحة لكل موظف عام: هل تحميه المنظومة القانونية والمؤسسية من التعسف، أم أن «مزاج المسؤول» يظل حاضرًا فوق نصوص القانون؟

