في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، يقدّم الدكتور العلامة يوسف القرضاوي قراءة فكرية واضحة لدور المسلم في مجتمعه، تقوم على الربط المباشر بين الإيمان والعمل، وبين العبادة وخدمة الناس. ويؤكد القرضاوي أن الانفصال عن الواقع الاجتماعي، أو تأجيل الواجبات العملية انتظارًا لتحولات كبرى، يمثل خللًا في فهم مقاصد الإسلام. هذا التقرير يعيد صياغة طرحه حول معايشة الجماهير، والعمل الاجتماعي، وعلاقته بالدعوة وإقامة الدولة، مع الحفاظ على جميع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الواردة في النص.
معايشة الجماهير كقاعدة للإصلاح
ينطلق القرضاوي من نصيحة مباشرة للشباب بضرورة النزول من عالم الأحلام والمثاليات المجردة إلى أرض الواقع. ويقصد بذلك معايشة المواطنين في مواقعهم الطبيعية، من الحرفيين والفلاحين والعمال، في المدن الكبرى وأحيائها الشعبية، وفي القرى والأزقة الكادحة. هذه المعايشة، في نظره، تكشف عن وجود فطرة سليمة وقلوب طيبة، رغم ما تعانيه الأجسام من إرهاق العمل وضيق العيش.
ويؤكد أن الإصلاح لا يتم من خلال الخطاب من بعيد، بل عبر الاحتكاك المباشر بالناس، ومشاركة همومهم اليومية. فالنزول إلى المجتمع ليس خيارًا تنظيميًا، بل شرط لفهم واقعه، وبناء أي مشروع تغييري قابل للحياة.
العمل الاجتماعي باعتباره عبادة
يضع القرضاوي العمل الاجتماعي في صميم العبادة، لا على هامشها. فهو يدعو الشباب إلى تعليم الأميين، وعلاج المرضى، ومساندة المتعثرين، ومساعدة العاطلين، ودعم المحتاجين، وتوعية المتخلفين، وتذكير العصاة، وتقويم المنحرفين، ومواجهة الفساد، وإنصاف المظلومين. ويعتبر أن هذه الأدوار ليست أنشطة تطوعية عارضة، بل واجبات دينية إذا صحت فيها النية.
ويستشهد القرضاوي بأحاديث نبوية تؤسس لهذا الفهم، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمله أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة».
كما يورد حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم… أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صلاة، وحملك عن الضعيف صلاة، وإنحاؤك القذر من الطريق صلاة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة».
ويضيف حديث بريدة رضي الله عنه: «في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة… النخامة في المسجد تدفنها، والشيء تنحية عن الطريق».
وتكتمل الصورة بأحاديث أخرى تجعل التبسم في وجه المسلم صدقة، وإرشاد الأعمى، وهداية الحيران، وإغاثة الملهوف، وإعانة الضعيف، أعمالًا تعبدية يتقرب بها الإنسان إلى الله.
الدعوة بالفعل لا بالكلام
يرد القرضاوي على من يرى أن الانشغال بالعمل الاجتماعي يصرف عن الدعوة إلى الإسلام، مؤكدًا أن هذا العمل نفسه لون من ألوان الدعوة. فالدعوة، في تصوره، ليست خطابًا نظريًا فقط، بل ممارسة عملية تقرّب الناس من الفكرة، وتكسبها مصداقية. ويستشهد بسيرة الإمام حسن البنا، الذي أنشأ أقسامًا للبر والخدمة الاجتماعية إلى جانب العمل الدعوي.
ويعزز هذا الفهم بالاستدلال بالقرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم﴾ (الحج: 77–78).
ويرى في هذه الآية تحديدًا لثلاثة محاور: عبادة الله، وفعل الخير في المجتمع، ومواجهة قوى الشر.
بين إقامة الدولة والواجب الممكن
يناقش القرضاوي رأيًا آخر يرى أن الجهود يجب أن تتركز على إقامة الدولة الإسلامية، باعتبارها الكفيلة بحل مشكلات التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية. ويرد بأن إقامة الدولة فريضة، لكنها مسار طويل يحتاج إلى وقت وصبر وتراكم. وحتى يتحقق ذلك، لا يجوز تعطيل الواجبات الممكنة.
ويؤكد أن الامتناع عن علاج مريض، أو مساعدة فقير، أو إصلاح نزاع، بحجة انتظار الدولة، يتعارض مع قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن: 16).
ويضرب مثالًا بزراعة النخيل والزيتون التي تحتاج إلى سنوات، مقابل زراعة محاصيل سريعة العائد. كلا المسارين، في نظره، يسيران معًا، دون تعارض.

