يقول الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، إن الدعوة إلى الله في واقعنا المعاصر – تحوّلت عند شريحة من الشباب المتدين – من رسالة رحمة وهداية، إلى حالة من التهجم اللفظي، والتخوين، والتجريح، وكأن القسوة صارت علامة على قوة الإيمان، وغلظة الأسلوب صارت عنوانًا على التمسك بالحق.

 

غير أن القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة العلماء الربانيين ترسم لنا طريقًا آخر مختلفًا تمامًا: طريق الحكمة واللين، والجدال بالتي هي أحسن، واحترام المقام والمخاطَب والظرف، دون أي تنازل عن جوهر الحق ومضمونه. النصوص التي سردها الشيخ يوسف القرضاوي – تكشف أن الرفق ليس خيارًا تجميليًّا في الدعوة، بل فريضة منهجية، وأن من حُرم الرفق حُرم الخير كله، مهما ظن أنه يغار على الدين أو يذود عن العقيدة.

 

منهج القرآن: الحكمة أولًا.. ثم الموعظة الحسنة.. ثم الجدال بالتي هي أحسن

 

الآية الجامعة في خواتيم سورة النحل ترسم هرم الدعوة بدقة: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

 

الحكمة تعني وضع الكلام في موضعه، واختيار الأسلوب الأنسب للشخص والزمان والمكان، لا مجرد ترديد نصوص مجردة أو عبارات قاسية. ثم تأتي الموعظة الحسنة التي تخاطب القلب والضمير، وتركز على الترغيب والترهيب بلغة إنسانية راقية. ثم تأتي مرحلة الجدال، حتى في موضع الخلاف، مشروطة بأن يكون «بالتي هي أحسن»، لا مجرد «حسن» فقط؛ أي أن المسلم إذا وجد أسلوبين للحوار: أحدهما مقبول، والآخر أرقى وألطف وأكثر جذبًا للقلوب، فإنه مأمور شرعًا أن يختار الأرقى والألطف.

 

هذا المنهج يتجلى كذلك في خطاب القرآن لأهل الكتاب: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ… وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ…﴾

 

فالبدء بمواضع الاتفاق – الإيمان بالله وبالوحي – ثم ترك الحكم النهائي لله يوم القيامة، يعلّمنا أن مهمة الداعية ليست سحق الخصم ولا إذلاله، بل تقريب النفوس إلى الحق قدر المستطاع، مع ترك ما بقي من خلاف لحكم الله.

 

بين الصراحة والخشونة: حين يضيع الحق بسبب قسوة أهله

 

أحد أهم الإشكالات في واقع الشباب المتدين اليوم هو الخلط بين الصراحة في قول الحق و الخشونة في الأسلوب. يظن بعضهم أن الكلام الهادئ ضعف، وأن اللين مساومة، فيرفع صوته، ويقسو في عباراته، ويسخر ممن يخالفه، ويشنّ عليه هجمات لفظية على المنابر أو على وسائل التواصل، ثم يتوهم أنه بذلك قد أدّى واجب «الإنكار» أو «النصح».

 

لكن القاعدة التي يقررها العلماء: أن «الأسلوب الخشن يضيع المضمون الحسن». ما فائدة أن تحمل أعظم حق، ثم تضعه في وعاء منفّر، يجعل الناس تنفر منك قبل أن تسمع حجتك؟! ولهذا جاء في الأثر: «من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف»؛ أي في ذاته، أسلوبًا وروحًا، لا مجرد مضمون نظري.

 

الإمام الغزالي يضع ضوابط دقيقة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فيشترط في الداعية أن يكون رفيقًا وحليمًا وفقيهًا بما يأمر وينهى، فلا يندفع بحماسة جافة تفتقد الفقه بالواقع وبالنفوس. ويدلل العلماء على ذلك بقصة الرجل الذي دخل على الخليفة العباسي المأمون ينصحه، لكنه غلظ له القول، فذكّره المأمون بأن الله أرسل موسى وهارون – وهما خير منه – إلى فرعون – وهو شر منه – ومع ذلك أمرهما أن يقولا له قولًا لينًا. فإذا كان الطغاة يُخاطبون باللين رجاء هدايتهم، فكيف بالمخالف المسلم أو الشاب المتردد أو العامي البسيط؟

 

من مدرسة النبي: الرفق زينة كل شيء.. ومن حُرم الرفق حُرم الخير كله

 

سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تمثل التطبيق العملي الأوضح لمنهج الرفق. يكفي أن نتأمل وصف القرآن له: ﴿بِالمُؤمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَللْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

 

لو كان النبي فظًّا، لانفض عنه الصحابة أنفسهم، فكيف بمن بعدهم؟ هذه آية حاسمة: الفظاظة سبب مباشر لانفضاض الناس عن الدعوة، مهما كانت صحة ما نقول.

 

وفي السنة، تتكرر أحاديث الرفق لتجعل منه قاعدة عامة: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»

 

«إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»

 

«من يُحرم الرفق يُحرم الخير كله»

 

هذا التعميم – «في شيء» و«الخير كله» – يعني أن الرفق مطلوب في كل مجالات الحياة: في البيت، في المدرسة، في المسجد، في النقاشات العلمية والسياسية، في الحوار مع المخالف في الفروع أو الأصول. وأن من اتخذ العنف اللفظي والفظاظة طريقًا دائمًا، فقد اختار أن يغلق على نفسه أبوابًا واسعة من الخير والقبول والتأثير.

 

حتى في مواقف الاستفزاز، لم يفقد النبي بوصلته. حين قال بعض اليهود: «السام عليكم» يقصدون الموت، فهمت عائشة رضي الله عنها قصدهم، فردت عليهم بشدة، بينما اكتفى النبي بقوله: «وعليكم»، ثم علّق مربيًا: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله». هنا لا يتساهل في الحق، لكنه يرفض أن يتحول الانتصار للحق إلى انفلات في اللسان أو تجاوز في الأسلوب.

 

دعوة لمراجعة خطابنا الديني: من ثقافة الهجوم إلى فقه التلطف

 

النصوص القرآنية والنبوية، وقصص الأنبياء والعلماء، ليست حكايات للتبرك أو للوعظ العابر، بل ميثاق منهجي ملزم لمن أراد أن يحمل همّ هذا الدين. حين يتخذ بعض الشباب «الشدة» شعارًا، ويحوّلون الدعوة إلى ساحة للاتهام والتبديع والتكفير، فهم في الحقيقة يقطعون الطريق على الناس قبل أن يصلوا إلى الحق، ويهدمون بألسنتهم ما يبنونه بحماسهم.

 

المطلوب اليوم مراجعة جذرية للخطاب الديني والدعوي في البيوت، والمساجد، والمنابر، والمنصات الرقمية:

 

- أن نُعلّم أبناءنا أن قوة الحجة لا تعني قسوة العبارة.

 

- وأن الاتفاق على الأصول يجب أن يُترجم إلى أخوّة في الحوار، لا إلى تصيّد للزلات.

 

- وأن الاختلاف سنة كونية، وأن الفصل النهائي في ما نختلف فيه هو لله يوم القيامة، لا لمن يملك أعلى صوت أو أقسى أسلوب.

 

الرفق ليس ضعفًا، بل أعلى درجات القوة؛ لأنه يحتاج إلى نفس مطمئنة، وواثقة بما عندها من حق، وغير محتاجة للصراخ والغلظة لتثبت ذاتها. ومن أراد أن يكون امتدادًا حقيقيًا لخط الأنبياء والرسل، فليتعلّم أولًا كيف «يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن»؛ فبدون هذا، تتحول الدعوة إلى ضجيج، ويتحول الدين في أعين الناس من رحمة للعالمين إلى عبء ثقيل على القلوب.