دخل آلاف العاملات والعمال في شركة جيد تكستايل إيجيبت للملابس الرياضية بالعاشر من رمضان، التابعة للمجموعة التركية «يشيم جروب»، في إضراب عن العمل، رفضًا لزيادة سنوية وصفوها بـ«المهينة» لا تتجاوز 800 جنيه، بينما لا تتخطى الرواتب في أغلبها 6500 جنيه. في المقابل، تواصل الشركة التفاخر بأنها من أكبر مصدّري الملابس الرياضية في مصر لحساب علامات عالمية مثل نايكي وتومي هيلفيجر ولاكوست وغيرها، وباستثمارات بمليارات الجنيهات وصادرات بمئات الملايين من الدولارات.

 

الإضراب، الذي شارك فيه – بحسب شهادات عمال – جزء كبير من قوة العمل البالغة نحو 6 آلاف عامل في مصنع العاشر وحده، يأتي في لحظة حساسة تكشف التناقض الفج بين خطاب الحكومة عن «جذب الاستثمار الأجنبي وتوفير فرص العمل»، وبين واقع عمال مصانع التصدير الذين يتحملون وحدهم كلفة «الميزة التنافسية» القائمة على الأجور المنخفضة وساعات العمل الطويلة.

 

رواتب لا تكفي الحد الأدنى للحياة في شركة تصدّر بالملايين

 

بحسب ما رواه عمال وعاملات، أقرت إدارة جيد تكستايل زيادة سنوية بمتوسط 800 جنيه فقط، لتبقى الرواتب الفعلية في حدود 6000–6500 جنيه، في وقت تطالب فيه العمالة أن يصل الحد الأدنى لأجورها إلى 10 آلاف جنيه شهريًا، باعتباره رقمًا أقرب – ولو نظريًا – لتكلفة المعيشة في ظل موجات الغلاء الحالية.

 

العاملون يشيرون إلى مفارقة قاسية: الشركة نفسها جزء من مجموعة «يشيم جروب» التركية، التي تمتد مصانعها في برج العرب والعاشر من رمضان والإسماعيلية، وتُقدَّم رسميًا كنموذج «قصة نجاح» في قطاع الملابس الجاهزة، بصادرات وصلت إلى نحو 145 مليون دولار في 2021، مع خطة لرفعها إلى 230–250 مليون دولار بحلول 2025، واستثمارات جديدة في 3 مصانع إضافية بنحو 14 مليار جنيه.

 

في المقابل، تقول إحدى العاملات إن زيادة 800 جنيه «تتبخّر قبل أن تصل إلى الجيب»، في وقت تحقق فيه الشركة أرباحها بالدولار من التصدير لعلامات مثل نايكي وأندر آرمور وتومي هيلفيجر ولاكوست، بينما يتحمل العمال فروق التضخم وأسعار النقل والدواء والغذاء.

 

الخبير الاقتصادي والنقابي د. مصطفى كامل السيد يضع هذا النمط في سياق أوسع، حين يؤكد أن الحركة العمالية في مواجهة الشركات متعددة الجنسيات بحاجة إلى «ذراع فكري عابر للحدود»، لأن هذه الشركات تستفيد من تشتت النقابات وضعف التنظيم، وتنقل استثماراتها إلى حيث الأجور الأقل والضمانات الأضعف، ما لم توجد قواعد تحمي العاملين وتوازن قوة رأس المال العابر للحدود.

 

تهديدات و«واتساب» وأمن وطني.. حين تتحول المطالبة بالأجر العادل إلى ملف أمني

 

شهادات العمال تكشف وجهًا آخر للأزمة، لا يتعلق فقط بالأجر بل أيضًا بطريقة تعامل الإدارة. فبحسب عاملين تحدّثوا بشرط عدم ذكر أسمائهم، تلقى العمال تهديدات صريحة عبر مجموعات «واتساب» من مسؤولي الشركة، تضمنت التلويح بإبلاغ «الأمن الوطني» عن قادة الاحتجاج، والتهديد بالفصل في حال استمرار الإضراب أو تصعيد المطالب.

 

عاملة أخرى تشير إلى أن نحو ثلث قوة العمل في مصنع العاشر من رمضان من النساء، وأن عددًا كبيرًا منهن شاركن في التجمّع بساحة المصنع، في ظل ظروف معيشية «لا ترحم»، حيث تُعيل كثيرات أسرًا كاملة، بينما تُدفَع الشركة إلى الخارج كـ«رأس حربة» للاستثمار التركي في مصر، تستقبل زيارات سفراء ومسؤولين وتُمنَح شهادات تقدير في ملتقيات السلامة المهنية وجودة الإنتاج.

 

هذا التناقض بين الصورة اللامعة في بيانات الحكومة والشركة، والواقع المتوتر داخل خطوط الإنتاج، يكرّره ناشطون عماليون منذ سنوات: الدولة تسوّق لاستثمارات ضخمة وتسهيلات للمستثمرين الأجانب، لكنها لا توفّر مظلة حقيقية لحماية حق الإضراب أو التفاوض الجماعي الجاد، بل كثيرًا ما يُعامَل الاحتجاج العمالي كملف أمني، لا كجولة تفاوض اجتماعي مشروعة.

 

في هذا السياق، تبدو تجربة جيد تكستايل نموذجًا مكثفًا: شركة تُقدَّم رسميًا كقصة نجاح في التصدير والتوظيف، بينما يشعر الكثير من عمالها أن نصيبهم من «النجاح» لا يتجاوز راتبًا متآكلًا وزيادة سنوية لا تواكب حتى جزءًا من التضخم.

 

فجوة الأجور بين مصر وتركيا.. ومن يحاسب العلامات العالمية؟

 

حجم الفجوة في الأجور بين فروع «يشيم» في تركيا ونظيرتها في مصر، والتي أشار إليها العمال بشعار «ادونا حتى نص رواتب زمايلنا في تركيا»، تجد ما يدعمها في أرقام رسمية وتصريحات اقتصادية. نهاية العام الماضي، رفعت أنقرة الحد الأدنى للأجور بنسبة 27% ليصل إلى نحو 655 دولارًا، فيما يؤكد د. علاء عز، الأمين العام لاتحاد الغرف المصرية الأوروبية، أن الحد الأدنى الفعلي هناك يقترب من 800 دولار، مقابل ما بين 120 و180 دولارًا فقط كحد أدنى للأجور في مصر، وهو أحد الأسباب الرئيسية وراء نقل خطوط إنتاج تركية إلى السوق المصرية للاستفادة من «رخص العمالة».

 

هذه الفجوة لا تعني فقط أن العامل المصري يتقاضى جزءًا ضئيلًا من أجر نظيره التركي داخل نفس المجموعة، بل تعني أيضًا أن قيمة الزيادة التي يطالب بها عمال جيد تكستايل – الوصول إلى 10 آلاف جنيه، أي قرابة 200 دولار بسعر الصرف الحالي – لا تزال أقل بكثير من الحد الأدنى في بلد الشركة الأم. ومع ذلك، تبدو حتى هذه المطالب المتواضعة محل مقاومة شديدة من الإدارة.

 

من زاوية عدالة اجتماعية أوسع، يحذر وزير العمل الأسبق وأستاذ القانون د. أحمد حسن البرعي في بيانات ومشاركات نقابية حديثة من أن نمط التشريعات والسياسات الحالي يميل إلى «تآكل الحقوق وتقييد الحريات النقابية»، مع التأكيد على أن جذب الاستثمار الأجنبي لا يجوز أن يقوم على حساب حقوق العمال الأساسية في أجر عادل وبيئة عمل آمنة وتنظيم مستقل.

 

وعلى مستوى المسؤولية العابرة للحدود، تطرح هذه الإضرابات سؤالًا مباشرًا أمام العلامات العالمية التي تنتج لديها جيد تكستايل: إلى أي مدى تتحمل نايكي وتومي لاكوست وغيرها مسؤولية مراقبة شروط العمل في سلاسل التوريد الخاصة بها بمصر، خاصة أن هذه العلامات تتبنى رسميًا سياسات «استدامة» و«مسؤولية اجتماعية» في معامل مورديها حول العالم؟

 

في نهاية المطاف، لا يبدو إضراب جيد تكستايل مجرد خلاف على زيادة سنوية، بل اختبارًا مكثفًا لسؤال أكبر: هل سيبقى العامل المصري هو الحلقة الأضعف التي تُبنى عليها كل خطط «تعميق التصنيع المحلي» و«جذب الاستثمار»، أم أن هذه اللحظة ستفتح الباب لحديث جاد عن حد أدنى للأجر يحفظ الكرامة، وآلية تفاوض حقيقية تحترم صوت العمال بدل تهديدهم بالأمن والفصل؟