في زمن تتعالى فيه الأسئلة القلقة حول تأخّر النصر، وتكاثر الهزائم والانكسارات، يذكر الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، بالحديث من جديد عن «سنن النصر» وشروطه في واقع المسلمين. فالسؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم هو نفسه الذي طرحه صاحب الحوار: ألسنا على الحق وخصومنا على الباطل؟ ألم يعدنا ربنا بأن ينصر الحق على الباطل؟ سؤال مشروع، لكن جوابه – كما يوضح العلامة – أن النصر وعد حق، لكنه مرتبط بقوانين ربانية لا تحابي أحدًا، وأن التقصير في فهم هذه السنن والعمل بها هو سبب التأخر لا صدق الوعد.
النصر لا يُمنح لمجرّد أن الفكرة حق بل حين يوجد رجالها
أولى سنن النصر التي يبرزها الحوار أن الله لا ينصر الحق لمجرّد أنه حق، بل ينصره بقدر ما يوجد من أهله رجالًا مؤمنين مترابطين متآخين، كما قال تعالى: «هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم» (الأنفال: 62–63).
فالوعد بالنصرة مرتبط بوجود «المؤمنين» الذين يحملون الفكرة ويجسّدونها، لا بمجرد صوابية الفكرة ذاتها.
ومن هنا يأتي السؤال عن دور الملائكة التي نزلت في بدر والخندق وحنين. يجيب النص بأن الملائكة لا تتنزل في فراغ، بل على رجال يعملون في الأرض ويجاهدون، يحتاجون إلى مدد يثبتهم، مستشهدًا بقوله تعالى: «إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا».
إذن لا ملائكة بلا «الذين آمنوا»، ولا تأييد سماوي بلا جهد بشري حقيقي يستحق المدد.
منطق القوة والعدد.. والعمل قبل انتظار المعركة الفاصلة
القرضاوي يرفض منطق الحماسة المنفصلة عن الواقع؛ فوجود المؤمنين وحده لا يكفي، بل لا بد أن يعملوا جاهدين لنشر دعوتهم وتبليغ رسالتهم وتكثير عددهم وتوسيع قاعدتهم وإقامة الحجة على مخالفيهم وكسب الرأي حولهم؛ حتى تكون لديهم من القوة ما يواجهون به أعداءهم.
القرآن يضع معيارًا واقعيًا للتكافؤ في المعركة:
«إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون» (الأنفال: 65)،
ثم يخاطب مرحلة الضعف فيخفف النسبة إلى النصف: «الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين» (الأنفال: 66).
بهذا الفهم لا يكون من المقبول عقلاً ولا شرعًا أن يواجه الواحد مائة أو ألفًا بلا إعداد ولا قاعدة شعبية، وإلا تحولت الدعوة إلى «قفزة في المجهول» وليست التزامًا بسنة الإعداد.
الصبر الطويل.. شرط ملازم للنصر لا مهرب منه
حين يحتج بعضهم بأن خصوم الحق يضعون الألغام في الطريق ويزرعون الأشواك ويغلقون منابر الكلمة، يجيء الجواب بأن هذا هو الامتحان الذي يقتضي صبرًا طويلًا وثباتًا على طريق الدعوة؛ فلا نصر بلا صبر. يتجلى هذا في الحديث النبوي الجامع الذي استشهد به النص: «واعلم أن النصر مع الصبر»،
وفي وصايا القرآن المتكررة للنبي ﷺ في ختام السور المكية:
• «واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين» (آخر يونس).
• «واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون» (آخر النحل).
• «فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون» (آخر الروم).
• «فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم» (آخر الأحقاف).
• «واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم» (آخر الطور).
هذه الآيات المتتابعة ترسم صورة طريق طويل لا يُقاس بعدد السنوات، بل بمدى الثبات فيه؛ فالصبر هنا ليس موقفًا عابرًا بل استراتيجية وجودية للداعية والجماعة والأمة.
بين حلم الدولة الإسلامية وكسب الفرد الواحد: النصر الحقيقي في الميزان
حين يضيق صدر السائل بأن الصبر قد يطول دون قيام دولة تحكم الشريعة وترفع راية الإسلام، يأتيه الجواب بإعادة تعريف النصر نفسه: فكل جاهل يتعلم على يديك، وكل ضال يهتدي، وكل عاص يتوب، هو جزء من النصر، وغنيمة مؤكدة، لا تقل قيمة عن حلم الدولة المؤجلة. ويستشهد النص بالحديث الصحيح: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم»،
ليؤكد أن الاستثمار في الإنسان الواحد قد يكون عند الله أعظم من انتصارات عسكرية تُذكر في كتب التاريخ ثم يتبخر أثرها.
النهاية تحسم المعادلة بسؤال جوهري: الله لن يسألنا لماذا لم تنتصروا؟ بل سيسألنا لماذا لم تعملوا؟؛ فالواجب هو بذل الجهد وبذر البذور والثبات على المنهج، أما الثمر فهو بيد الله. وخاتمة التقرير تستدعي الآية الجامعة التي تختصر فلسفة العمل في الإسلام: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون» (التوبة: 105).
هكذا يضع هذا الحوار مع سنن النصر الأمور في نصابها: وعد الله حق، والباطل إلى زوال، لكن بين الوعد والتحقق مساحة واسعة من الصبر والإعداد والتربية والعمل، من أهملها فلومه على نفسه لا على وعد ربه.

